القاهرة | نهار داخلي في أحد المصحات النائية في حلوان جنوب القاهرة. بهدوء وتأنٍّ، لفظ أنفاسه الأخيرة وحيداً في غرفة موحشة وباردة. صاحب المشوار الفني الحافل بالنجاحات والتحقق والتألق، وحده كان يعرف أن كل هذا زائل، وأن الذي يبقى له هو قدرته على الاستمتاع بالحياة. عمر الذي أصيب بـ«الزهايمر» في آخر أيامه، لم يكن يتذكر شيئاً ولا أشخاصاً ولا حتى المقربين، رغم أنّه منح الفن ذاكرة حفرت في الوجدان. كان آخر ظهور سينمائي له يشبه التجلي الكامل لشخص خبر الحياة وعرف معناها. إذ أدى بطولة الفيلم المغربي الفرنسي «روك القصبة» (2013) للمخرجة ليلى المراكشي. منح عمر الفيلم سحراً خاصاً، إذ لم تقف سنوات عمره حائلاً بينه وبين مزيد من الإبداع. حضوره كان طاغياً، رغم أنه كان يجسد دور «مولاي حسن» المتوفى الذي يعلّق على الأحداث التي تدور في منزله، كاستعدادات جنازته، أو سخريته من صراع أفراد الأسرة حول شخصه.

عمر الشريف هو واحد من النجوم القلائل الذين جسد تكوينهم الإنساني والثقافي حقائق إنسانية شديدة الرقي. فالأب تاجر أخشاب لبناني، هاجر من زحلة إلى الإسكندرية في أوائل القرن العشرين، تلك المدينة «الكوسموبوليتية» التي كانت تضم مختلف الثقافات والحضارات، فاستقر وزوجته كلير سعادة هناك، وأنجبا طفلهما.

بدأ عمر يلفت الأنظار برشاقته، وتزامل مع المخرجين المصريين يوسف شاهين وشادي عبد السلام، والفنان النجم أحمد رمزي، فبدأ شغفه بالتمثيل، وقدم العديد من العروض المسرحية على خشبة مسرح «كلية فيكتوريا»، لكن والده كان يرى أن كل ذلك «كلام فارغ» على حد تعبير الشريف نفسه. ذلك الفتى الوسيم الذي قلب الموازين، صار المخرجون يحصرونه في الأدوار الرومانسية، إلى أن تمرد على تلك الصورة في «إحنا التلامذة» (1959) مع المخرج الراحل عاطف سالم، ومن بعدها في بداية الستينيات مع المخرج صلاح أبو سيف في «لوعة الحب» (1960)، أمام الفنانة شادية وأحمد مظهر، وهو الفيلم الذي جسد فيه دور مساعد لسائق قطار «عطشجي» يقع في غرام زوجة رئيسه. الفيلم عكس جزءاً كبيراً من موهبة عمر التي ظلت لفترة محصورة في زاوية واحدة، هي الفتى الرومانسي الوسيم. وفي المرحلة نفسها، أخذه المخرج الكبير فطين عبد الوهاب وحلق به بعيداً في منطقة غير متوقعة تماماً، حيث قدمه في واحد من أهم أفلام الكوميديا المصرية أي «إشاعة حب» (١٩٦٠) مع يوسف وهبي، وعبد المنعم إبراهيم، وسعاد حسني. في العام نفسه، قدم فيلم «بداية ونهاية» عن رواية للأديب نجيب محفوظ، ونقلها للسينما صلاح أبو سيف. في هذا العمل، جسد دور «حسنين»، الشاب الفقير الطموح، الذي يسخر أفراد أسرته الفقيرة من طموحه ورغباته. الفيلم الذي شارك فيه عدد كبير من النجوم إلى جانب عمر، ومنهم فريد شوقي، وسناء جميل، وأمينة رزق، يعد واحداً من أهم الأعمال في تاريخ السينما العربية.
ورغم أن الشريف كان قد بدأ يعرف طريق العالمية، إلا أنه كان يصرّ دائماً على تقديم تجارب سينمائية مصرية أو عربية، ومنها أفلام تلفزيونية مثل «الأراجواز» مع النجمة ميرفت أمين، وأيضاً فيلم «أيوب». وبعد فترة انقطاع، عاد وشارك عادل إمام فيلم «حسن ومرقص» (2008) الذي كان آخر أعماله في السينما المصرية، و«المسافر» (2009) للمخرج أحمد ماهر، بمشاركة عدد من النجوم المصريين ومنهم خالد النبوي.