ظنت «الجزيرة» بأنها أنقذت نفسها من مستنقع الوقوع في فخ أخلاقية محاورة العقيد علي عبود الأسير السوري لدى جبهة «النصرة» من خلال عرضها تنويهاً قبيل بدء حلقة «بلا حدود» يوم الأربعاء الماضي، يفيد بأن المقابلة تمت بموافقة كاملة من العقيد ومن الجهة التي تحتجزه، مع التأكيد على أن القناة القطرية لم تحاول «ممارسة التأثير أو التقييد أو الضغوط أثناء إجراء المقابلة». ها هو أحمد منصور العائد من «الأسر» في ألمانيا الشهر الماضي، يحاور أسيراً سورياً طياراً محتجزاً لدى التنظيم الإرهابي «النصرة» منذ آذار (مارس) الماضي، بطريقة المحقق العسكري الذي يريد استخراج كل معلومة من الأسير وبأي طريقة كانت.


الحوار الذي أجري ضمن 48 دقيقة وأداء منصور الاستجوابي التحقيقي، أعادا الى الأذهان مقابلته الشهيرة في أيار (مايو) الماضي مع أمير جبهة «النصرة» أبو محمد الجولاني. مقابلة بدا فيها أنّ منصور يعاني من داء الإستلاب، محاولاً قدر المستطاع تبييض صفحة التنظيم الإرهابي وتقديمه على أنه أنموذج للتسامح والتعايش مع الغير المختلف طائفياً. في هذه الحلقة، بدا الإعلامي المصري «جولانياً» أكثر من الجولاني. أبعد عنه صفة الصحافة والمحاورة وطرح الإشكاليات الجدلية والتذكير بجرائم الجبهة الدموية لصالح رجل منصهر الى حد الذوبان الكلّي في فكر وعقيدة أمير «النصرة». وقتها لم يكن قلب منصور على المدنيين ولا على الأطفال والنساء الذين حضروا بقوة في مقابلته مع الأسير الطيّار. وقتها أيضاً لم يتوان عن تظهير الوجه السموح لـ «النصرة» عندما ادعى أنها تحمي «الدروز والمسيحيين» ولا تفرض الجزية عليهم وتعيش هذه الطوائف في وئام وسلام مع هذا التنظيم.

إذاً وجهان مختلفان ظهر فيهما منصور في أقل من شهرين، قدمت له «النصرة» مرة أخرى خدمة في السماح له بإجراء هذه المقابلة، لكنها أتت غير متوازنة، كيف لا والعقيد الأسير معتقل ومتواجد تحت ضغط وهول هذا الإعتقال، مسلوب الإرادة وحرية التعبير والكلام؟ كل هذه الثغر استغلها منصور بطريقة لا أخلاقية. جلس مقابل عبود وبدأ ينهال عليه بسيل من الأسئلة السريعة على طريقة المحقق العسكري. الأسئلة التي غاب عنها النفس الصحافي لصالح آخر مليء بالحقد والطائفية، صبت كلها في مصلحة «النصرة» من خلال معرفة قدر الإمكان كل التفاصيل العسكرية واللوجستية التي يعرفها الطيار الأسير. سأله منصور عن أسماء المطارات العسكرية السورية. وأوقح من ذلك، راح يستجوبه طائفياً وبالتحديد عن الطائفة العلوية وطائفة باقي أطقم المطار الذي يعمل فيه.عاد وسأل مراراً وتكراراً عن المدنيين عن الأطفال والنساء الذين يقتلون على يد النظام السوري من خلال البراميل المتفجرة واستخدام غاز الكلور. وحاول تحميله المسؤولية بشكل مباشر. مارس منصور سطوته وابتزازه على الأسير عندما حاول إخافته لدى سؤاله بعينين جاحظتين «ألا تعلم أن الثوار باتوا على مقربة من المناطق العلوية ويمكن أن يحدث هناك مجازر؟». طبعاً قابل هذه السطوة والاستغلال الرخيص، ارتباك وضياع وتشتت الذهن لدى الطيار العقيد الذي لم يع في كثير من الأحيان ماذا يقول على القناة القطرية.