يختصر مسلسل «درب الياسمين» (سيناريو فتح الله عمر، إخراج إيلي ف. حبيب، إنتاج «مركز بيروت الدولي») قصصاً كثيرة، وهو لا يروي قصة المقاومة تاريخياً كعادة المسلسلات التي سبقته على غرار «الغالبون» بجزءيه (كتابة فتح الله عمر وإخراج السوري باسل الخطيب)، و«قيامة البنادق» (كتابة محمد النابلسي وإخراج السوري عمّار رضوان). المسلسل الذي يعرض على «المنار»، يقارب المقاومة كفعلٍ تحرّري من إطارٍ آخر، وإن حافظ على نهجه في رواية القصة التي يميل إليها الجميع في رمضان.


يروي المسلسل حكاياتٍ عدّة مصبوبة في قالب واحد، حاول الكاتب كما المخرج أن يجعلاها أقرب إلى الواقع منها إلى قصةٍ متلفزة درامياً. إنّها قصة أنصارية، القرية اللبنانية الجنوبية (بين حزيران/ يونيو 1996 وأيلول/ سبتمبر 1999) التي حدثت فيها مواجهة مهّمة مع العدو الصهيوني أدت إلى مقتل عدد من جنوده. وكانت ربما واحدةً من أكبر الصفعات الاستخباراتية التي وجّهتها المقاومة للكيان العبري. درامياً، تتصدّر عائلةٌ مكوّنة من أشقاء عديدين أصل الحدث: الوالدة (عايدة صبرا) وزوجها (نقولا دانيال) وأولادهما كارلوس عازار (محمود)، وزينة مكي، وسعيد سرحان (حمزة)، ونيكولا مزهر (عمّار). لكلٍ من هؤلاء الأولاد حكايةٌ خاصةٌ به تدور فيها حبكة المسلسل الأصلية. هنا يظهر تمرّس فتح الله عمر في كتابة السيناريو وصناعة النصّ الجميلة، فتشعّب القصة الأصلية يمكّن الكاتب من التحرّك بحريّة أكبر حتى ولو كان يريد الكتابة عن المقاومة. منذ بداية المسلسل، نجد محمود وشقيقه حمزة المتمرّسان في المقاومة، يخوض حمزة القابع في سجون الاحتلال صراعاً من نوعٍ آخر، إنه يقاوم من داخل سجنه، ويحافظ على آرائه وقناعاته ومبادئه، ويقهر سجّانه ولو كان في الأسر. من جهته، بذل محمود جهداً كبيراً في محاولة تقديم صورة الشاب الملتزم المقاوم الذي يعاني من مشاكل عائلية، ومع هذا يستطيع أن يحافظ على حياته الجهادية بعيداً عن حياته الصعبة. فهو لديه طفلة تعاني من الصمّ، ووالدته تلحّ عليه للزواج من أخرى كي تنجب له أطفالاً أصحاء. زينة مكّي (ياسمين) تؤدّي أحد أصعب الأدوار في المسلسل، إذ تعاني مع زوجها باسم مغنية (سمير) الذي تشك بأنه يعمل جاسوساً للصهاينة. تتعقّد الأحداث بشكل تواتري في حياة ياسمين، لأن زوجها يصل إلى وضعها في مستشفى للأمراض العصبية كي لا تكشف أسراره وعمالته. نيكولا مزهر (عمّار) بدوره يؤدّي دور الابن الأصغر في العائلة، الشاعر الموهوب الذي يضعه حظّه العاثر أمام رغبة الصهاينة بتجنيده كعميلٍ لهم. عمّار يركب الموجة ويقرّر أن يخدم المقاومة على طريقته بأن يصبح عميلاً مزدوجاً مُقنعاً الصهاينة أنه يخدمهم، وفي الوقت عينه يخدم المقاومة. يبرز كذلك استعمال أبله القرية سليم (محمد شمص)، فهو الأقرب إلى أحد محاور القصة الرئيسية (سمير/باسم مغنية)، فيأتي دوره أساسياً وفي إطار القصة الأصلي ودراميتها كاسراً نمطية العميل المعتادة.


بدا الأبطال تائهين
أمام ضغط السيناريو

العميل شريرٌ دوماً، فسمير يعطف على سليم بشكلٍ دائم، وهذا إنجاز درامي يحسب للمسلسل. تتشعّب الأحداث والصراعات في العمل وصولاً إلى التصدّي المقاوم للإنزال الصهيوني في خراج البلدة، ما يكلّف الصهاينة عدداً من القتلى والجرحى، وفشلاً جديداً يضاف إلى سجلها المخزي أمام المقاومة. تقنياً، حاول المخرج حبيب أن يقدّم مسلسلاً بعيداً عن التجارب السابقة التي قدّمها في التلفزيون. تجارب حبيب كوميدية، مما جعل الأمر أكثر صعوبة في التعامل مع قصةٍ متشابكةٍ إلى هذا الحدّ. بدا الأبطال أحياناً تائهين أمام ضغط السيناريو، والشخصيات هشّة، وفوق كل هذا، لم يكن هناك مجال للتوسّع الدرامي. حوصرت شخصيات العمل في إطارها المحدّد على غرار رانيا عيسى (تؤدي دور لبنى زوجة كارلوس عازار/محمود) التي حوصرت في دور الأم التي لديها ابنة تعاني من الصم، فلم يتعرّف المشاهد إلى ملامح أخرى من شخصيتها وحياتها. المشكلة نفسها واجهت باسم مغنية (سمير) مع زوجته زينة مكي (ياسمين)، وبدا واضحاً أن لا كيمياء تلفزيونية بينهما، فلم يستطيعا أن يقنعا المشاهد بأنهما يحبّان بعضهما. الأمر نفسه ينسحب على ممثلين حشروا في أدوارهم حشراً.
من جهته، يقدم فتح الله عمر مجدداً قصة مسبوكةً، لكنه يقع في فخّ عدم معرفته لطبيعة الأرض والبيئة الحاضنة لهذه المقاومة. ورغم أنه قضى وقتاً في هذه البيئة، إلا أن ذلك لم يكن كافياً كي يتمكّن من رسم ملامح الشارع القروي اللبناني. بدا هناك نوعٌ من التسطيح، فظهرت المشاكل في القرية عالمية (universal problems) أي مثل تلك التي تحصل في أي مكان من دون خصوصية لتلك القرية عن سواها.

* «درب الياسمين» يومياً 20:45 على قناة «المنار»