■ ربّما الذي أثار غضب الإسرائيليين هذه المرّة عليك هو موقفك الذي عبّرت عنه في بيروت الرافض للتطبيع مع الاحتلال، موقفك من التطبيع فعلاً هو رفض؟

- أنا لا أستطيع أن أقبل تطبيع إنسان عربي لبناني فلسطيني مع سياسة الكيان الصهيوني. هذا شيء لا يمكن أن يكون مفروغاً منه أو مفروغاً ضمناً. (...) أنا رافض التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي من قبَل العرب الذين يعيشون خارج إسرائيل في الدول العربية، وأنا أرفض التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي ومع الأيديولوجيّة الصهيونية. لا غُبار على الكلام.

■ كان المأخذ عليك أستاذي بشكل أساسي أنك قدّمت أعمال الكاتب إميل حبيبي الذي ــ كما جاء في البيان (بيان ضد زيارته إلى بيروت) ــ سخر من المقاومة ومن العروبة وقبِلَ جائزة إسرائيلية معروفة. حضرتك رددت وقلت في راديو «الشمس» أن مَن يتّهمك بالخيانة أو بالتطبيع هو الخائن من يوم ولدته أمّه، بالحرب قلتَ هذا الكلام، البعض اعتبر كأنّك تقصد المناضل الكبير بسّام الشكعة وهو الذي تعرّض لِما تعرّض له من محاولات اغتيال على يد الاحتلال وهو صاحب تاريخ نضالي طويل.
- هل تصدّق أن إنساناً كمحمد بكري الذي قدّم هذه الأفلام وهذه المسرحيات وهذا المشوار الفنّي الطويل الذي يصبّ كلّه في نفس المكان، يسخر أو يشتم إنساناً عظيماً ضحيّة عمليّة إجراميّة إسرائيلية عندما زرعوا له المتفجّرات بسّام الشكعة؟ أيُعقَل أنا محمد بكري أتكلّم عن أحد كبسّام الشكعة؟ أنا لا أعرف مَن هؤلاء، أنا أجهل هويّة هؤلاء، هويّتهم الشخصية وهويّتهم السياسية، أجهلها، أنا قلت وأعود وأقول الآن مَن يتّهمني بالخيانة هو إمّا جاهل وإمّا خائن.

■ هل من السهل عليكم كفلسطينيين في الداخل، كمبدعين فلسطينيين مثل حضرتك مسألة الحفاظ على الهوية الفلسطينية، مسألة المواجهة اليومية مع الاحتلال الإسرائيلي للتمسّك بهويّتكم العربية الفلسطينية؟
- التمسّك بالهوية والنضال من أجل الحفاظ على الهوية الوطنية وأن تبقى أيضاً إنساناً هو شبه مستحيل، وأحياناً يتمثّل ذلك في رغيف الخبز، بالمعيشة، ليس سهلاً، لذلك أنا ألوم المثقّفين العرب أو أشباه المثقّفين الذين يضعوننا في خانة التطبيع، يا أخي أنا أعيش هناك، يا أخي أين أذهب؟ أين أذهب؟

■ هل قدّمتَ تنازلات كبيرة في مسيرتك؟ هل تخلّيت في لحظة من اللحظات عن قناعات، عن مبادئ في سبيل فيلم، في سبيل عمل مسرحي، في سبيل دور معيّن؟ لا بأس، أنا قد أكون أعرف الإجابة لكن أريد أن أسمعها منك.
- أوّلاً جُلَّ مَن لم يُخطئ، أنا لستُ نبيّاً ولستُ إلهاً ولستُ ملكاً، طبعاً بمسيرتي الفنيّة منذ كان عمري عشرين سنة الى الآن. ٤٣ سنة طبعاً أكون قد أخطأت هنا وهناك ولكن على أصابع اليد الواحدة أو نصف اليد الواحدة، وليست الأخطاء التي تجعلني أقول ماذا فعلتُ؟ لا، الحمد لله، لكن في المسيرة الفنيّة كلّها أنا أعتزّ بـ «المتشائل»، أعتزّ بإميل حبيبي، أعتزّ بكنفاني، أعتزّ بكل المبدعين الفلسطينيين.

■ من أفلامك المميّزة فيلم «زهرة»، هناك أفلام كثيرة قدّمتَها حضرتك تستوقف، ربّما «جنين جنين»، و«حنّا كاي» من أكثر شهرةً لكن فيلم «زهرة» أنا يعني لي بشكل خاص لأنني ابن المنطقة التي جاءت إليها زهرة حين تهجّرت من فلسطين، والتي هي خالتك، لماذا قدّمتَ هذا الفيلم عن خالتك؟
قدّمت فيلماً عن خالتي ليس لأنها خالتي، أنا قدّمت فيلماً عن خالتي لأقول لها ولجيل خالتي الذي بقي في الـ٤٨ تسلّل وعاد أو منه مَن لم يهرب ولم يتسلّل، شُكراً لكم، شكراً لكم، شكراً لكم على حضوركم وبقائكم لأنه بفضلكم أنا لم أُصبح لاجئاً فلسطينياً في أيّ مكان في هذا العالم.

■ أتت إلى بنت جبيل في البداية، بجانب عيناتا قريتي.
- أجل، ثم عادوا بعد شهر لأنهم شاهدوا أن الإنسان بدون كرامة لا يساوي شيئاً، فضّلوا أن يعيشوا بكرامتهم تحت الاحتلال من أن يعيشوا في مخيّم لاجئين بدون أيّ حقّ للإنسانية والكرامة، أيّ حقّ. أنا لا أفهم وضع الفلسطينيين في لبنان حتى الآن، لا أستطيع أن أفهم، أنا كنتُ في صبرا قلبي سينفجر عندما رأيت الناس القاطنين في صبرا، بأيّ حقّ؟ لماذا؟ ماذا فعلوا؟ ماذا فعلنا لله نحن، ماذا فعلنا للعالم كي نعيش أكثر من سبعين عاماً بهذا الوضع؟ ممنوع أن نعمل ونتنفّس؟ لماذا؟ أليست هذه مفارقة؟ أليست مفارقة أن الفلسطيني تحت الاحتلال وضعه أسهل من وضعه في مخيّم صبرا؟ أليست مفارقة؟ أليس هذا مُحزناً؟ في بلد لبنان، هذا بلدنا له فضل علينا، بيروت حبيبتنا، لماذا يجري لنا ذلك؟ نحن جزء من هذا الوطن العربي، سوريا الكبرى ولبنان الكبير وفلسطين الكبرى، كلنا بلد واحد، لماذا هذا الجفاء؟ أليس حراماً؟

■ كيف تنظر إلى ما يحدث في بلادنا العربية؟
- أعتقد أن ما يحدث في الوطن العربي كلّه وراءه إسرائيل وأميركا، أنا لستُ محلّلاً سياسياً ولستُ مقدّماً سياسياً، ولكن سألتَني فأجتهد وأُجيب. أعتقد أن هناك قوّة ظلامية محتلَّة من قبَل إسرائيل وأميركا والعلاقة العضوية الموجودة بين المحتَلّ وعقلية المُحتَلّ والاستعمار واستعمار العالم وتثبيت الشرق الأوسط تحت الهيمنة الغربية الاستعمارية، هنا مربط الفرس. طبعاً أنا ألومنا، ألوم كوادرنا الشبابية، ألوم قياداتنا السياسية، ألوم الأحزاب اليسارية التي أعلنت إفلاسها في الوطن العربي، ألومنا كلّنا، ألوم نفسي أيضاً، أنا لستُ بريئاً من هذا المُصاب ولكن أعتقد أن هناك مَن يغذّي هذا الانقسام وهذه الحروب الأهليّة.