افتتح «الأصولي المتردد» (2013) لميرا ناير (1957) مهرجاني «البندقية السينمائي» و«تورنتو السينمائي الدولي» عام 2012. الفيلم الذي تحتضنه الصالات اللبنانية حالياً، يضاف إلى أعمال المخرجة الهندية الأخرى، أبرزها «مسيسبي مسالا» (١٩٩١)، و«سلام بومباي» (١٩٨٨) الحائز جائزة «الكاميرا الذهبية» في «كان»، و«زواج مونسون» (٢٠٠١) الذي نال «جائزة الأسد الذهبي» في «مهرجان البندقية السينمائي»، و«فانيتي فير» (٢٠٠٤) الذي رشح أيضاً لجائزة «الأسد الذهبي».


الشريط (130 د) مقتبس عن رواية بالعنوان نفسه (2007) للكاتب الباكستاني محسن حامد، تصور محادثة طويلة بين رجل باكستاني يدعى جنكيز وآخر أميركي تدور في مقهى في مدينة لاهور. هناك، يروي له جنكيزعن الحياة التي عاشها في أميركا والأسباب التي اضطرته للرحيل. يدور الفيلم بين زمنين متوازيين، الأول في أميركا، حيث يصوّر جنكيز (الممثل البريطاني من أصل باكستاني ريز أحمد) الذي يعمل كمحلل اقتصادي بارع في احدى أكبر الشركات الاستشارية في وول ستريت. أما الثاني، فيظهر الوجه الآخر لجنكيز الملتحي الذي ولد بعد أحداث ١١ أيلول ٢٠٠١، ويعمل كأستاذ في «جامعة لاهور» ويتَّهم بالتخطيط لخطف زميله البروفسور الأميركي. أما تحول جنكيز من بعد أحداث ١١ أيلول فهو أكثر نمطية ما قد يوحي به عنوان الشريط والرواية الأصلية لمحسن حامد التي تقترح تركيبة أكثر تعقيداً. في البداية، يبدو جنكيز، كما يصوره الفيلم، باكستانياً محظوظاً آتياً إلى أرض الفرص أميركا، مؤمناً بالحلم الأميركي بخلاف أبيه الشاعر الذي يعارض توجهه المادي البحت. يصعد جنكيز سلم النجاح بسرعة، ويلقى التقدير من رئيسه في العمل جيم (الممثل كيفر سثرلاند) الذي يشجعه وتنشأ بينهما علاقة صداقة، إذ يرى جيم في جنكيز طموحه نفسه للخروج من الطبقة الكادحة الذي أتى هو منها. كذلك تنشأ علاقة حب متأزمة بينه وبين أريكا (الممثلة كايت هدسون) التي لا تزل تعيش في حداد بسبب وفاة حبيبها السابق. لكن إثر أحداث ١١ أيلول وكرد فعل على الاضطهاد الذي يتعرض له من قبل الشرطة من دون مبرر ومن حبيبته التي تحوّله مادةً لمعرضها الفني، مصورة عبره تفاصيل علاقتها الحميمية مع الباكستاني «الإرهابي»، يقرر جنكيز ترك عمله والعودة إلى التعليم في باكستان.


يخفق الشريط في تقديم
رؤية أكثر تشريحية لشخصية
البطل وصراعه الداخلي
لا يخلو الفيلم من الكليشيه أو المبالغة في بعض التفاصيل المضحكة التي يتناولها كلحية جنكيز التي تصبح رمزاً للهوية الباكستانية، أو مقطع من المحادثة التي تدور بينه وبين صاحب إحدى دور النشر في اسطنبول حيث يشبهه بالإنكشارية التي كانت الفرقة الأشرس في الجيش العثماني وتتألف من صبيان خطفوا من عائلاتهم المسيحية ودربوا لمحاربة أهلهم في ما بعد، في إشارة إلى أنه هو أيضاً غلام للرجل الأميركي. ورغم أنه سعى إلى التمييز بين مبدأ الانتماء والتعصب الذي يودي إلى كره الآخر كما في قرار جنكيز بالعودة إلى باكستان لإحساسه بالانتماء لبلده إثر أحداث ١١ أيلول، إلا أن مشكلة الشريط تكمن في أنه لا ينجح فعلياً في تقديم رؤية أكثر تشريحية لشخصية جنكيز وصراعه الداخلي. كل الشخصيات التي يقدمها نمطية، وبالتالي كل وجه للصراع بينها يعود بنا إلى الصور النمطية نفسها التي يود الفيلم نقضها. وبالرغم من أن فريق التمثيل يضم عدداً من الممثلين المحترفين ككيفر سثرلاند وليف شرايبر بالإضافة إلى كايت هدسون وريز أحمد، إلا أن الحوارات التي تتسم بالتشتت في أغلب المقاطع لا تساعد على إضفاء مصداقية على الشخصيات. من جهة أخرى، فإن اللغة السينمائية لم تنجح في لمّ هذا الشتات، ويزيد على ذلك تنقلها بين الماضي والحاضر بطريقة لا يحكمها إيقاع واضح، بل يتواتر بشكل لا يسمح للمشاهد بالتعمق لا بالشخصيات ولا بالأحداث.

«الأصولي المتردد»: صالات «أمبير» (1269)، «سينما سيتي» (01/899993)، Cinemall 04/444299.