الديستوبيا والخيال العلمي والسياسة والتحريض والنسوية، كلّها مواضيع وتيمات يصُنّف ضمنها مسلسلThe Handmaid’s Tale (حكاية خادمة ــ لبروس ميلر) الذي بثّته أوّلاً شبكة Hulu للستريمينغ في نهاية نيسان (أبريل) 2017. تصنيف صحيح من دون شكّ، إلا أنّه لا يمكن استبعاد العمل من خانة الرعب، تماماً كما قال أبيغيل تشاندلر في صحيفة الـ«غارديان» البريطانية.


من الصعب مشاهدة العمل الذي يستند إلى رواية الكندية مارغريت أتوود الصادرة في عام 1985 بالاسم نفسه (مع بعض الاختلافات في المضمون) من دون أن ينتاب المرء شعور بـ«الرعب»! إنّه «الرعب» بكل ما للكلمة من معنى، نفسياً وفيزيولوجياً، مع جرعات زائدة من التوتّر المُرهق الذي يجعل الاستراحة ضرورية مع الانتهاء من مشاهدة الحلقات العشر التي تشكل العمل.
النجاح الكبير لم يعد حكراً على الرواية التي أبصرت النور في عام 1985 وعادت اليوم لتتصدّر أرقام المبيعات في عدد من الدول. إلى جانب نسب المشاهدة العالية والحفاوة التي حظي بها، استطاع المسلسل في أيلول (سبتمبر) الماضي الحصول على أربع جوائز «إيمي» (تمنحها «أكاديمية الفنون والعلوم التلفزيونية») خلال الدورة الـ 69 من الاحتفال الذي أقيم في مدينة لوس أنجليس الأميركية، وهي: «أفضل مسلسل»، «أفضل ممثلة في دور رئيسي» (إليزابيث موس في دور الـ Handmaid «جون» أو «أوفريد»)، «أفضل ممثلة في دور مساعد» (آن دود ــ العمّة «ليديا») و«أفضل سيناريو لمسلسل درامي» (بروس ميلر).
تجري الأحداث في المستقبل القريب في دولة ظاهرها «مثالي» وباطنها ديكتاتوري تُدعى «غيلياد»، تُقام إثر انقلاب يجري في معظم (أو ربّما كل؟) الولايات المتحدة على يد مجموعة من المتشدّدين دينياً الذين يُطلقون على أنفسهم اسم «أبناء يعقوب»، في وقت يتفشّى فيه العقم بين النساء حول العالم. هكذا، تُسلخ القادرات على الإنجاب من حيواتهن (أعمالهن وأزواجهن وأطفالهن وأهلهن...) السابقة لقيام «غيلياد»، ويُجرّدن من أسمائهن وهوياتهن الأصلية وحقوقهن كبشر، ليتحوّلن إلى خادمات (وصيفات) تُفرض عليهن ملابس وحيدة وموحّدة باللون الأحمر. هنا، تجدر الإشارة إلى أنّ اللون الموحّد هو استعارة من الأيقونية المسيحية في أواخر العصور الوسطى وبداية عصر النهضة حيث ارتدت العذراء مريم اللونين الأخضر أو الأزرق، فيما اقترنت مريم المجدلية بالأحمر لا محال، وفق ما أكدت أتوود سابقاً في مقابلة هاتفية مع صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية.


فاز العمل الدرامي بأربع
جوائز «إيمي»، منها
«أفضل عمل درامي»


تُجمع النسوة في «المركز الأحمر» حيث يتهيأن على يد الـ«عمّات» (Aunts ــ أبرزهن «ليديا» التي جسّدتها ببراعة آن دود ــ يرتدين اللون البنّي) لأداء دورهن الوحيد: مساعدة العائلات النافذة في الحصول على طفل. كيف؟ تنتقل «الخادمة» إلى العيش مع رجل نافذ في الدولة وزوجته (ترتدي اللون الأزرق)، وتُسمّى على اسمه. أي إذا كان اسمه «فريد»، تُنادى المرأة بـ«أوفريد»، ثم يتغيّر الاسم مع تبدّل المنزل وصاحبه! في كل شهر، يُقام «الطقس» خلال الفترة الأكثر خصوبة بالنسبة إلى المرأة التي لا يمكنها حتى التحكّم بجسدها وتُعامل أسوأ من «الأشياء». المشهد الذي نراه بأدق تفاصيله ومن دون مواربة في The Handmaid’s Tale، يجسّد اغتصاباً يقوم به الرجل للخادمة التي تنام بين رجلََيْ زوجته مؤديةً دور الرحم، في الوقت الذي يُمنع عليها الإحساس به أو النظر إليه أو إصدار أي صوت. بعد التلقيح، يُنتظر الخبر «السارّ». وفي حال تأخّره، يمكن إعادة الكرّة لمدّة معيّنة، تعود من بعدها «الخادمة» إلى «المركز الأحمر» حيث تتلقى العقاب المناسب. في هذا المجتمع المنغلق والمتخلّف، تتحمّل المرأة مسؤولية كلّ الأخطاء، سواء تلك التي ارتكبتها أو لم ترتكبها. ليست الـ Handmaid وحدها من تُعامل بوحشية في هذا النظام، فالزوجات والعمّات والخادمات اللواتي يقمن بالأعمال المنزلية في بيوت الأغنياء (Marthas ــ يرتدين الأخضر) مشمولات بقوانين صارمة يصعب تصديق وجودها اليوم أو في المستقبل القريب. فهنّ أيضاً مجرّدات من حقوقهن، إذ لا يمكنهن مثلاً العمل أو إبداء الرأي أو القراءة أو التعلّم أو إقامة علاقات أو قيادة السيّارة أو فتح حسابات مصرفية أو تجاوز الحدود من دون مرافقة الرجل الذي يتولّى أمرهن... هذا فضلاً عن ختان المتمرّدات أو قطع أيديهن أو اقتلاع أعينهن، إلى جانب معاقبة المثليين وقتلهم (إعدامات علنية) كونهم/ن «خونة الجندر» (gender traitors)... هذه الأمور وغيرها لم تأت بها مارغريت أتوود من فراغ، بل استوحتها من نماذج كانت موجودة في الأمس القريب (النجمة الصفراء لليهود والمثلث الزهري للمثليين في الرايخ الثالث...)، أو لا تزال موجودة في القرن الحادي والعشرين، كما في أفغانستان أو السعودية (الإعدامات ونظام الكفالة مثلاً) وغيرهما.
لا يمكن النجاة من «الرعب» في هذا العمل، ولا سيّما في ما يتعلّق بـ«جون» (أوفريد) التي تستسلم للواقع من دون أن تفقد الأمل بالنجاة وإيجاد ابنتها «هانا» وزوجها «لوكاس» الذي تمكّن من اللجوء إلى كندا. تعيش «جون» حياةً أخرى في ذهنها، كأنّها محاولة للبقاء على قيد «الحياة» في انتظار «الفرج». صحيح أنّ كثيرين يرون في The Handmaid’s Tale قصّة نسوية، إلا أنّ صاحبة الرواية لا توافق هذا الرأي بما أنّها تعرض في هذه الحكاية الاضطهاد الهرمي الذي يكرّسه «غيلياد». «الأقوياء من الجنسين يتربّعون على القمّة، فيما الأفضلية للرجال من دون شك، تليهم الفئات الأقل نفوذاً وسلطة وثراءً، وكذا الأمر حتى أدنى الهرم».
بعيداً عن التصنيفات المحدّدة، الأكيد أنّ The Handmaid’s Tale كمشروع درامي يحبس الأنفاس ويحثّ العقل على التفكير. ماذا لو تحوّلت مجتمعاتنا إلى ما يشبه المعسكرات وسط طبقية وعنصرية مقيتتين وخوف يبثّه نظام استخباري يُفقد المرء ثقته بأي كان أو أي شيء، من دون وجود أدنى مستويات الحرية؟!
في نهاية الجزء الأوّل من هذا المسلسل (كما في الرواية)، تنطلق «جون» نحو بداية جديدة من دون أن نعرف ما إذا كانت ذاهبة باتجاه حياة جديدة أو عقاب. إشكالية سيحسمها الجزء الثاني الذي وُضع على نار حامية، وسيتخذ من قصة مارغريت أتوود الخصبة أرضية لنسج أحداث جديدة.