تعود الممثلة والكاتبة والمخرجة اللبنانية روان حلاوي إلى المسرح، لتقدّم «الغرفة 202» على خشبة «مترو المدينة»، مسرحها الأثير والمعتاد. ولكن هذه المرة، ليس العمل «مونورداما» كالعادة، بل يشاركها البطولة (والإخراج أيضاً) الممثل الموهوب طارق تميم.


إنها قصّة غرفة الفندق التي تجمع غريبين. الحكاية ربما مستهلكة، لكن مهارة روان هي في تقديم العمل بطريقة مختلفة، إذ لا يمكن للمشاهد أن يشعر بالملل على مدى أكثر من ساعة هي مدة العرض. هنا نتحدث عن غريبين، يصلان إلى زواجٍ في آخر القصة، مروراً بتفاصيل كثيرة قد تبدو سيرياليةً. إذ ما الذي يدفع بمهاجرٍ عائد إلى طلب الزواج من فتاةٍ متحررةٍ لا يعرف عنها شيئاً؟ تأخذ الحكاية مناحي متعددة ومتوازية حتى تصل إلى ذروة الانفعال أو نهايته حين يقرران الارتباط والطلاق في ليلةٍ واحدةٍ فقط. كيف يحدث هذا؟ إنها لعنة عصر السرعة هذا بكل ما فيه من مزايا وجنون.
لدى روان حلاوي الكثير لتقوله في عالم المسرح، هو ربما أسلوبها الخاص في التعبير عن القضايا المعاصرة. مسرحها مباشرٌ، دقيق، وعضوي. إنه يأخذ من الواقع المعاش ويدفعه إلى الواجهة بفجاجته ربما. هي لا تقدّم مسرحاً كلاسيكياً معتاداً، فلا نجد القدر الخفي، ولا ممثلين كلاسيكيين ينتظرون أقدارهم. نحن هنا أمام مسرحٍ عصري يدفعه حبّها الشخصي للاستعراض، كتابةً تمثيلاً وإخراجاً حتى. أضف إلى ذلك أن هناك نكهةً خاصة تشبهها، فنجد أنها هي نفسها حين تختار قصصها. تفعل ذلك لتقول كلمتها ورأيها في المجتمع، كما في مسرحيتيها السابقتين «ثلجتين بليز» و«انت عمري» وكلاهما من الأعمال المونودرامية الصعبة. خلال تلك الأدوار، جسّدت حلاوي العديد من الشخصيات لكن لطالما بقيت ضمن الجانب «الحزين» و«الميلودرامي». لكنها هذه المرّة تعاقر «الكوميديا» والمرح.


الإخراج جيد من نواحٍ كثيرة،
فلا يمكن الحديث عن ثقلٍ في أداء النص أو الأبطال


المونودراما التي أجادتها حلاوي، ابتعدت عنها لصالح تجربة أكثر كوميدية. هل كان اختيار تميم نابعاً من كون الممثل المعروف يشتهر بإجادته هذا النوع من الأدوار؟ من يشاهد المسرحية يدرك تماماً بأنَّ هناك نوعاً من الكيمياء العالية بين الممثلين، حتى إنه قلما نشعر بثقل أحدهما على الآخر. في المسرح عادةً، وبحسب ستانسلافسكي، فإن طرق الممثلين تتقاطع، مما يجبر أحدهما أن يلين (أو يبتعد) كي يترك للآخر مجالاً للسطوع. في مسرحية حلاوي، لا نلاحظ هذا الابتعاد أو حتى «اللين» بينهما، فكلاهما يواصل تقديم أدائه بحرفة عالية، والسبب ببساطة أنهما لم يحتاجا إلى ذلك البتة. أسلوب كاتبة المسرحية ومخرجتها يمتاز بالاندفاع والانطلاق، فضلاً عن حركتها السريعة وتنقلها بين جنبات المسرح، فيما تميم يفضّل جمل «الإيفيهات» (الشبيهة بالكليشهات الكوميدية التقليدية في المسرح/التلفزيون المصري/العربي التقليدي) فضلاً عن أن حركته قصيرة وبطيئة في أغلب الأحيان. هنا كان المزج ممتازاً، وأفاد المسرحية كما هو مطلوب.
إخراجياً، يبدو العمل جيداً من نواحٍ كثيرة، فلا يمكن الحديث عن ثقلٍ في أداء النص أو الأبطال، ربما في بعض الأحيان يمكن ملاحظة بعض التفاصيل الزائدة، لكن ذلك قد يخدم العمل لناحية أنه يقدّم «صورة حقيقية». أما بخصوص السينوغرافيا (حسن صادق)، فقد كان ديكور المكان مريحاً للبطلين، حيث لا يشعر المشاهد بضيق المكان أو اتساعه. إنه عبارة عن غرفة فندقٍ كما يجب أن تكون، كل الأشياء موضوعةٌ في مكانها. يذكر أن الموسيقى من تأليف خالد صبيح وأحمد الخطيب. أما لارا نصار فتعاونت للمرة الثالثة مع حلاوي في تصميم وتنفيذ الإضاءة.
في الختام، يمكن القول بأنَّ تجربة روان حلاوي قد أخذت أخيراً بالنضج وبدأت بتشكيل ملامح خاصة بها. تجربة يمكن المراكمة عليها، أي بمعنى أنّه بعد هذه المسرحية، يمكنها أن تقدّم مسرحها المباشر والعضوي الذي يختلف بشكلٍ جذري عن التجارب المسرحية المعاصرة المحلية، من دون أن يكون هناك تحديدٌ للنوع (أي ميلودراما/ تراجيديا/ أو كوميديا). في الإطار عينه، يمكن القول إنّ هذه المسرحية تحديداً تشبه «السيتكوم» الأميركي القصير الذي نشاهده على التلفزيون؛ وكم تحتاج قنواتنا المنتجة للمسلسلات إلى هذا النوع من «الكتابة» و«التجارب» الخفيفة التي تقول شيئاً بعيداً عن «السخافة» و«الفذلكة» المعتادة.

«الغرفة 202»: 21:30 اليوم وغداً وكل أربعاء من شهر تشرين الأول ــ 6 و13 و22 و29 تشرين الثاني (نوفمبر) ـــ «مترو المدينة» (الحمرا) ـ
للاستعلام: 76/309363