في مثل هذا اليوم من عام 1960، سُجِّل أول ظهور تلفزيوني للفنان صلاح تيزاني على شاشة «تلفزيون لبنان». منذ 57 عاماً، أطل «أبو سليم»، عند الثامنة والنصف مساءً، وقدم على مدى ساعة ونصف ساعة الحلقة الأولى من مسرحية «المسافر». اليوم يمرّ هذا التاريخ، و«أبو سليم» يقف على عتبة التسعين، وهو يستعد على مشارف العام المقبل لتقديم عمل جديد، على شاشة nbn هذه المرة.


«تاكسي ستار أبو سليم» (إخراج أكرم قاووق)، برنامج كوميدي كتبه تيزاني قبل ثماني سنوات، وجال به على محطات التلفزة، بدءاً من lbci، التي وضعته في أدراجها، بعد مشاركة الأخير في برنامج «سبلاش»، مروراً بـ «الجديد»، و«تلفزيون لبنان»، و otv. رفضت هذه القنوات إنتاج العمل نظراً إلى ضعف الإمكانات الاقتصادية.
مشهدية تلقي بثقلها على الممثل القدير، الذي رسم الضحكة على وجوه ستة أجيال تقريباً، مع فرقته الكوميدية، التي غادر منها إلى اليوم قسم كبير أمثال: فريال كريم، محمود مبسوط (فهمان)، أحمد دنش (درباس)، سمير كشتان (أبو نصري)، وبقي عبد الله حمصي (أسعد)، صلاح صبح (شكري)، علي الزين (مشكاح)، ليلى قمري... في «تاكسي ستار أبو سليم»، الذي سيبصر النور بداية العام المقبل، سيحرص «أبو سليم» ــ كما في أولى خطواته المهنية ــ على العمل الجماعي. سيستحضر الشخصيات التي غيبها الموت، تكريماً لها، إلى جانب آخرين ما زالوا على قيد الحياة.
البرنامج الكوميدي الانتقادي الهادف سيعكس عبر 30 حلقة مواقف يومية معيشة، تبدأ من سيارة الأجرة، علماً بأنّه انتُهي من تصويره منذ أسابيع قليلة. يعوّل تيزاني على هذا البرنامج، متحدياً فيه ذهنية تحكم عالم الميديا اليوم، تقضي بإبعاد عمالقة من أمثاله وإقصائهم. يروي بحرقة في حديث مع «الأخبار» تعامل القنوات التلفزيونية معه. يقول: «كأننا أصبحنا ديموديه». هذه القنوات وغيرها، التي قدم لها طوال 5 عقود 1250 حلقة تلفزيونية، و900 ساعة إذاعية، و 4 أفلام استثمرتها حتى الثمالة، ترفض اليوم إنتاج برنامج يعيد «أبو سليم» إلى الشاشة الصغيرة، وربما ختم به عمره المهني.
وحدها قناة nbn، وعبر المخرج أكرم قاووق، الذي نفذ برنامجين في المحطة هما «شوشو في القرن الـ 21»، و«شوشو على نار»، مَن فتحت الباب لتيزاني وأنتجت له العمل، حتى من دون سؤال عن الكلفة. حصل ذلك كما يروي لنا، عندما حلّ ضيفاً لتكريم المسرحي الراحل شوشو. وقتها، عرض عليه قاووق أن يحضر على هذه الشاشة. في صوت «أبو سليم» حرقة، وغصة ما زالتا ترافقانه طوال السنوات التي خلت.
لا يتردد في إظهارها عند كل حديث صحافي، إذ ينتقد بشدة إقصاء فنان مثله وغيره عن الشاشات، لأنه أصبح متقدماً في العمر، وهو الذي يعتبر نفسه اليوم، شاباً بعمر الثمانين، ولديه إمكانات يعطيها لجمهوره الوفي: «ليش عم يحرقوا الإنسان بنص عمره؟».
بعد 57 عاماً من العطاء والتفاني، وحتى وضع الهاجس المالي جانباً «اشتغلنا بتلفزيون لبنان أول ما بلشنا شبه ببلاش»، وتوزيع هذه الأجور على أعضاء فرقته، يضع صلاح تيزاني اليوم نصب عينيه الهدف الذي دأب على عمله منذ خمسة عقود: «ما كانت تعنيلنا المصاري، همّنا نفرّح الناس».
صلاح تيزاني الذي بدأ من عاصمة الشمال طرابلس، عبر فرقة كشفية في منتصف الأربعينيات، وانتقل بعدها إلى «تلفزيون لبنان» وبعدها «الجديد»، وعرف بـ«أبو سليم الطبل»، استطاع طوال هذه العقود، أن يحاكي الواقعية الفجّة اللبنانية، على طريقته الكوميدية العفوية عبر أعمال مسرحية ودرامية، وحتى غنائية انتقادية (أغنية «غربل يا غربال» على سبيل المثال). أخرج نفسه من ثقل «البطل الأوحد»، وأعطى لكل عضو في فرقته كاراكتيراً خاصاً به، حتى أضحى الكل أبطالاً، ويتسمون بهذه الشخصيات، ولو خرجوا بأعمال أخرى، كالاحتيال الذي طبع «فهمان» (محمود مبسوط)، والبخل لشكري شكر الله، وصفتَي الحكمة والاتزان اللتين رافقتا «أبو سليم الطبل»، والبساطة المطلقة التي اتسم بها «أسعد» (عبد الله حمصي). ومع غياب جزء من هؤلاء، وغياب ذاكرة بأكملها رافقت اللبنانيين على الشاشة الصغيرة، وبعثت بنفوسهم التسلية والبهجة في الأيام الصعبة، ما زال صلاح تيزاني يقاوم موت هؤلاء، والاستسلام أمام الشيخوخة. يصرّ دوماً على إعادة تركيب هذه المشهدية التلفزيونية الثابتة، كما كانت، ولو بطرق مختلفة، كي يُبقي على ذاكرة جميلة، لا يهزّها الموت أو الرحيل.
صحيح أن الزمن تغيّر، وتغيّر معه مفهوم الكوميديا، التي أضحت بحسب تعبير تيزاني «من الزنار وبالنازل».


برنامج جديد على nbn
يستوحي من مواقف
يومية معيشة
لكن هاجسه اليوم، محاكاة الشباب، ومشاكلهم، إيصال خبرته في هذه الحياة وفي المحافل الفنية إليهم. يعيش «أبو سليم» ـــ كما كثر غيره يفتشون عن أمان اقتصادي لهم ـــ محاصراً بين غيلان الإعلام، التي وضعته على الرف، وتحاول إقناع الجمهور بأن الأعمال على الشاشات ستكون البديل المربح والحصان الجيد، وبين دولة تهمل فنانيها، ولا تذكر أسماءهم إلا عند موتهم. بين هذين العالمين، يترنح «أبو سليم»، متشبثاً بماضٍ جميل، وبجمهور وفيّ، يعوّل عليه: «الجمهور لا ينسى»، وبفرقته ولو غابت أجساداً اليوم، وبفكرة العمل الجماعي، الذي يصنع ضحكة عفوية، ويخرج من رحم هموم الناس، وصراعهم اليومي مع الحياة بكل أشكالها. يقف على عتبة التسعين، شاهراً شبابه، مقدماً لإمكاناته الذهنية، وقائلاً لكل هؤلاء الغيلان: «يا عيب الشوم».

* الصور من كتاب «لبنان على شاشة» lebanon on screen للإعلامي زافين قيومجيان