إنه الإصدار الثالث (2017) لامتياز الجريدة اللبنانية التي نشأت عام 1933، ثم عادت وصدرت مرة أخرى عام 1954. يجب أن نذكر، في البداية، أنه بحسب قانون المطبوعات (1962)، الذي حدد عدد المطبوعات اليومية السياسية بـ 25 مطبوعة، لا يمكن إصدار جريدة إلا اعتماداً على امتياز موجود أو شراء امتيازين وإلغائهما للتحصّل على امتياز ثالث. هكذا تم شراء امتياز جريدة «الاتحاد اللبناني»، وهكذا بدأت القصة.


على امتداد 900 متر، تتوزع أقسام الجريدة. قسم إداري وتنفيذي وقسم الصحافيين. قسم الصحافيين يبدو نشيطاً، المكاتب مفتوحة على بعضها، وبعضها منفصل خلف الزجاج. الصحافيون يمتلئون نشاطاً وحيوية. على الجدران تتوزع اللوحات الكبيرة. رسومات للمناضل الأممي تشي غيفارا، وللصحافي الراحل محمد حسنين هيكل، ولفنانين عرب منهم الراحلة صباح (رسمها الفنان يزن الحلواني) ولوحات أخرى لفنانين أجانب تزين جدران الجريدة.
في زحمة التحضير للعدد الأول، التقينا رئيس التحرير، مصطفى ناصر، الذي كان منهمكاً بالتحضيرات. في حديثنا معه، بدأ من النقطة التي تشغل بال الجميع: «المؤسسات في لبنان جميعها وليست الصحافة لوحدها، تعاني جراء الأزمات الاقتصادية، هناك مشاكل في الصحافة لكن لا تستدعي الإقفال». إذاً، كما بات معلوماً، «الاتحاد» تبدأ من حيث توقفت «السفير». ومصطفى ناصر اسم عرف في الصحافة والإعلام، وأيضاً في السياسة، إذ كان مستشاراً لرئيس الوزراء السابق رفيق الحريري. عمل في بداياته مذيعاً في راديو «مونتي كارلو»، وترأس تحرير الوكالة الدولية لـ30 سنة كما كان مدير مكتب صحف أجنبية في بيروت لـ10 سنوات. يقول ناصر: «كل حياتي صحافة». ويرى أن المشكلة «الألعن» التي سببت أزمة الصحافة هي أن الصحف اللبنانية «اعتمدت على المال السياسي الغامر» من فرقاء من خارج الدولة، بسبب ضعف الدولة وتركيبة لبنان الطائفية: «هناك جرائد كانت تنتظر القذافي ليدفع، وصدام حسين، والملك السعودي والأردني... وبدل أن يذهب المال إلى الصحافة، كان يذهب إلى شراء العقارات والأملاك. من تعوّد على هذا المال لا يعرف أن يعمل عندما تغلق الحنفية».


يعتمد ناصر في
تمويل جريدته على دعم بعض الأصدقاء
كما يقول

يعتمد ناصر في تمويل جريدته على دعم بعض الأصدقاء وعلى ماله الشخصي ودعم عائلته كما يقول، مؤكداً أن علاقاته السياسية لم يكن لها دور في افتتاح الجريدة. يشير إلى أنه قلّل مصاريف الجريدة إلى الحد الأدنى، «بدل أن أشتري مبنى كما كان دارجاً استأجرت طابقاً، وهكذا...»، يشرح متحمساً. أما مردود الجريدة، فسيعتمد بحسب ناصر على القارئ والإعلانات التي تأتي مع تحقيق الانتشار. هو «مال بسيط ومتواضع ولكنه سيكفي المؤسسة». لكن كيف ستحقق جريدة ناشئة الانتشار؟ يقول إنهم سيخوضون التجربة وسيرون النتائج خلال سنتين، لافتاً إلى أنه تم إعداد دراسة للجريدة قبل صدورها، وبيّنت بعكس السائد في السوق بأن الإعلانات لا تزال تأتي إلى الجرائد أكثر من الـ «أون لاين».
وعن موقف الجريدة وخطها السياسي، يؤكد ناصر: «نحن مقاومة، مقاومة العدو الصهيوني ومقاومة الفساد في لبنان والمعركة في هذا السياق واحدة لا تتجزأ». أما الجريدة فهي غير تابعة أو محسوبة على أحد: «نحن أصحاب موقف، لا نمدح بأحد ولا نبخّر لأحد، وليس هناك من يملي علينا ما نكتب. عملنا هو البحث عن الحقيقة كي نقدمها للمواطن». بدورها، تقول مسؤولة قسم «ماغازين» (وهو قسم الثقافة والميديا والمنوعات في الجريدة) سناء الخوري، إن الخط التحريري في الجريدة سيذهب إلى ما بعد الخبر: «السكوب والسبق على الخبر لا يهمنا، لأن الأخبار كلها موجودة على السوشال ميديا». عملهم، كما تقول، سينصب أكثر على التحليل والتوثيق والفيتشرز الموسعة والمقابلات والتحقيقات ومراجعات الكتب والأفلام «ونحن نراهن على هذا المكان». وأضافت أن الجريدة تسعى للوصول للجميع تحديداً منهم الشباب، من خلال صفحات الثقافة وتغطية أمور تهمّ الجيل الذي يتابع وسائل التواصل الاجتماعي التي سيفرد لها مساحة صفحتين من أصل 12 صفحة. بحسب خوري تولى الزميل منصور عزيز مهمة صياغة اللغة البصرية للجريدة كما استوحى اللوغو من فكرة الموج والشراع والتقاطع بين موج البحر وموجة الأخبار، ولكن بـ «طريقة حديثة»، كما لفتت إلى أنه يجري العمل على «إعداد سايت جميل». هكذا، صدر العدد الأول لجريدة «الاتحاد اللبناني». زميلة جديدة تنضم إلى الصحف اللبنانية الصادرة في بيروت، في زمن الحديث عن «أفول» الصحافة المكتوبة. في هذه الأجواء، تشرّع «الاتحاد اللبناني» مركبها بعكس أمواج التيار السائد. في غمرة أزمة الصحافة الورقية وتراجعها، وإغلاق صحف عريقة، والوضع القلق للبعض الآخر، يعلن صدور صحيفة جديدة بأن الصحافة الورقية باقية وما زالت بخير، وأنها تعبر عن حاجة شعبية ووطنية. الشعار الذي رفعته الجريدة «صوت الجميع للجميع» أثناء التحضيرات اختفى، والآن الجريدة هي الصوت، كما يقول القائمون عليها. وللتأكيد على أهمية المنتج الورقي، قررت الجريدة في أول شهر لها من انطلاقتها، عدم الصدور إلكترونياً: «الورق لم يمت»، يقولون.




العدد الأول

تتوزع صفحات الجريدة على أقسام هي التالية: لبنان، دوليات، رياضة، كل الآراء، ماغازين. وفي العدد الأول، نشر حوار «ربع قرن»، مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، وافتتاحية لمصطفى ناصر رسم فيها سياسة الجريدة في محاربة الفساد والفاسدين، مورداً: «الحقيقة التي نسعى لتقديمها عارية للقراءة هي أنّ النظام الطائفي ليس خيارنا، وهو مرض وطني له اصبع في كل مشاكلنا»، بالإضافة إلى ملف خاص عن فيروز. وتضم الجريدة مجموعة من الكتّاب والصحافيين المخضرمين الذين خاضوا تجارب سابقة في «السفير» و«الأخبار» وغيرهما منهم: حسين أيوب، سناء الخوري، عماد مرمل، منير الخطيب، سعدى علوه، فراس أبو مصلح، إيلي شلهوب، إيلي الفرزلي، ملاك عقيل، ومصطفى بسيوني وثائر ديب.