تشهد تواريخ المدن القديمة أنّ أسوأ صور السقوط تأتي عندما يكون من الداخل، حين تصير الخيانة مفتاح كسر الصمود. هكذا يراد للمشهد الثقافي والفني الفلسطيني أن يسقط، تحت ضغط الممولين الدوليين ممن لهم اليد العليا في سلوك معظم المؤسسات المستفيدة منهم.


في قضية عرض «فيلم قضية 23» للمخرج اللبناني المطبّع زياد دويري، لم تكتفِ مؤسسة «فيلم لاب»، التي نظمت مهرجان «أيام سينمائية» في رام الله (الدورة الرابعة)، ببيانها في الحادي والعشرين من الشهر الجاري، الذي قالت فيه إنها «ترحب ببيان الحملة الفلسطینیة للمقاطعة الأكادیمیة والثقافیة لإسرائیل... الذي خلُص إلى أن فيلم المخرج زیاد دویري ــ قضية رقم 23 ــ لا یخضع للمقاطعة» وفق معاییر BDS (أصدرت الحملة بياناً ثانياً لاحقاً أدانت فيه عرض الفيلم) وإنما أصرّت في حفل توزيع الجوائز، أول من أمس، على قراءة بيان ثانٍ بشأن الفيلم نفسه.
تقمّصت «فيلم لاب» دور «الأخ الأكبر». قالت في مرافعتها الثانية بعدما عجز خطأ BDS ودرع السلطة عن حمايتها، إنها «تفهّمت» القرار الذي اتخذته بلدية رام الله بمنع الفيلم في ظل «موجة البيانات والتهديدات»، أي حرصاً على السلم الأهلي! لكنها «تطالب المؤسسات الرسمية والأهلية والغيّورين على المشهد الثقافي بالتحرك»، إضافة إلى «الأخذ بعين الاعتبار حماية حرية التعبير، ورفض التخويف والتهديد»، كما دعت إلى رفض «الاصطياد في المياه العكرة».
تماماً كما زياد دويري، الذي لا يزال يصرّ على أنّ ما فعله ويفعله ليس تطبيعاً، ثمة محامٍ «فلسطيني» يستعمل «لغة بيانات خشبية» للدفاع عن فيلم لمخرج يسيء إلى فلسطين من حيث يدري أو لا يدري، بل يبادر إلى تقديم «الاعتذار» من الحضور وبطل الفيلم وطاقمه على «عدم عرض الفيلم»، الذي يبدو أن منعه جعل المهرجان يخسر قيمة أساسية وكبيرة، لا قيمة مضافة فحسب، سيما أنّه كان مقرراً عرضه في ختام المهرجان، كتكريم له!
أكثر من ذلك، أدخل منظمو المهرجان منع الفيلم ضمن سياق سلة واحدة: «حوادث مؤسفة ومشابهة وبحجج وذرائع مختلفة منها الأمنية أو الوطنية أو الدينية أو خدش الحياء العام... الحجج تنوعت والأسلوب واحد»، أي أنّ من رأى في دويري مطبّعاً، حتى لو كان مجرّد ناشط شبابي أو كاتب، هو نموذج عن السلطة الأمنية التي تحكم البلاد! كذلك، خلطوا الحابل بالنابل عندما رأوا أنّ منع عدد من الأفلام، بغض النظر عن سببها، يدخل في سياق منع الحريات... كأنّ التطبيع مع العدو صار حرية يجب ألا تمنع!
من المهم السؤال عن كيفية وصول هذا الفيلم إلى قائمة مهرجان «أيام سينمائية». تقول «فيلم لاب» إنها تهتم بالإنتاجات التي يخرجها، أو يشارك فيها، ممثلون فلسطينيون. وبما أن كامل الباشا (من القدس المحتلة) قد شارك في هذا الفيلم، وبما أن «قضية رقم 23» نال جائزة دولية بسبب هذه المشاركة، صار الفيلم «فلسطينياً» يستحق العرض، مع إغفال غالبية المعترضين البحث في آلية إدخال الفيلم وأساس التواصل مع دويري ومن المبادر إلى ذلك.
ضمن التبرير نفسه: بما أنّ الفيلم عرض في بلد مخرجه الأصلي (لبنان)، فإننا لن نكون ملكيّين أكثر من الملك، كأنّ من كتب البيان لم يسمع باستدعاء المخرج إلى محاكمة في بلده وحجز جوازي سفره (بغض النظر عن جدية ذلك ونتائجه)، أو بالضجة الكبيرة المثارة حوله. وهو وإن سمع بذلك، فمعنى قبوله عرض الفيلم أن تبنّى ما يقوله دويري جملة وتفصيلاً.
أيضاً، تريد «فيلم لاب» توضيحاً من وزير الثقافة، إيهاب بسيسو ـــــــ الموجود في غزة حالياً ضمن إجراءات تنفيذ اتفاق المصالحة الداخلية ـــــــ عن منع الفيلم، علماً بأن أفلاماً سابقة مرّت وكانت فيها «شبهات تطبيع»، لكنها لم تواجه بهذا القدر من المعارضة أو التبنّي المقابل!
طبعاً، لأنّ «فيلم لاب» تتخذ هذا الموقف، فإن مديرها التنفيذي، حنا عطاالله، حكى في لائحة الشكر الأخير بالتفصيل عن أسماء الداعمين المحليين، لكنه قفز بسرعة عن المانحين الدوليين (يناسبهم هذا الخطاب بشأن التطبيع وإسرائيل) ومرّ على ذكرهم بشكر عام.
لا يبدو أسف «فيلم لاب» على منع عرض الفيلم أقل شأناً من أسف «نخب» كثيرة، أو أصحاب القرار الذين أسهموا في محاولة إسكات أصوات نددت بعرض «قضية رقم 23»، وهم مسؤولون في سلطة هي صاحبة النكتة الشهيرة التي تقول إنها تحارب التطبيع مع أنها غارقة في ما هو أسوأ منه (اتفاق تسوية وتنسيق أمني وتبادل تجاري). فليهنأ زياد دويري بهؤلاء!