لم تكن السنوات العشر كافية تماماً للاعتياد على مصطلح كـ «اللوفر أبو ظبي». وقّع المتحف الفرنسي العريق عام 2007، اتفاقية مع أبو ظبي تنصّ على شراء الاسم لثلاثين عاماً، واستعارة حوالى 300 عمل فني إسلامي منه.


بعد التأجيلات المتكرّرة، والانتقادات لظروف العمال والبنائين التي لا تحفظ أقل حقوقهم، أعلن المتحف أنه سيفتتح أبوابه الشهر المقبل (نوفمبر) ليلتحق بعشرات المتاحف والغاليريهات وفضاءات الفن المعاصر التي غزت دبي وقطر ومصر وبيروت ورام الله وعمان ضمن «نهضة» سياحية واقتصادية أشمل. ظاهرة نزوح الفنون البصرية نحو الشرق، ألهمت مشروع وليد رعد (1967) «الخدش على أشياء يمكنني أن أتخلى عنها» (2007).
جالت بعض هذه الأعمال والتجهيزات والفيديوهات والمحاضرات على عواصم عدّة أبرزها «متحف الفن الحديث» في نيويورك عام 2015. كما شاهدنا بعضاً منها قبل سنوات في بيروت. وها هي تعود إليها مجدداً ضمن معرض «من الأفضل مشاهدة الغيوم» المقام في «غاليري صفير ــ زملر» حتى 30 كانون الأول (ديسمبر). لم يشف الفنان اللبناني المعاصر بسهولة من الفترة الانتقالية بين الحرب الأهلية ومرحلة «السلم»، وتاريخهما، فخصص لها مجموعة «أطلس غروب» بوسائط مختلفة، نرى أجزاء منها في المعرض أيضاً. التوجّه المعاصر الطارئ للفنون البصرية العربية، أعاد رعد إلى تاريخ الفن العربي الشامل ومساراته المخلخلة، ليمتحن علاقة الفنون المعاصرة أو لا علاقتها بالفترة الحديثة منه، وطُرُق عرض الأعمال الفنية الإسلامية في المتاحف العربية والعالمية. أولاً ليس علينا التقيد حرفياً بنصوص المعرض التي تأتي غالباً كوسيط ضبابي لما يرمي إليه العمل.
في «الخدش على أشياء يمكنني أن أتخلى عنها: Les Louvres»، يقتفي مصائر 300 قطعة فنية انتقلت من قسم الفنون الإسلامية الذي أطلقه «متحف اللوفر» الفرنسي قبل سنوات فقط، إلى «متحف اللوفر» في أبو ظبي عام 2013. يعلمنا النص أنّ القطع المرسلة لم تكن هي نفسها التي وصلت إلى أبو ظبي. يستثمر رعد سردياته البديلة وأسلوبه المراوغ لنكء تاريخ الفن العربي المرتبك والمشتت، وعلاقته مع مرجعياته المتعددة من بينها الفن الإسلامي.

="" title="" class="imagecache-250img" />
للصورة المكبرة انقر هنا
يتتبع مسار تفلّت الأعمال الفنية الاسلامية من السلطة الاستعمارية التي تحتفظ بها منذ عقود في الدول الغربية، لتقبع أخيراً في متحف لمدينة عربية. ضمن هذه الرحلة المثقلة بأسئلة كثيرة ورمزيات حول علاقة المدن العربية وفنونها بالتقاليد الفنية الحديثة وتلك الإسلامية، يتبين لرعد ــ خلال إقامته في «متحف اللوفر» الفرنسي ـــ أن الأعمال قد تغيّرت فعلاً بسبب احتمالات عدة منها تعرّضها لـ «تأثير كيميائي» نتيجة فتح الصناديق في «منطقة الصحراء العربية». أجرى اختباراته على القطع الفنية ليكشف وجوهاً جديدة لها تتداخل مع قطع أخرى. وضع القالب الظلي والشفاف لمنمنمة فارسية من كتاب «الشاهنامه» للفردوسي أبو القاسم منصور فوق قطعة متضررة هي خوذة السلطان المملوكي سيف الدين برسباي (1422 – 37). أفرج تداخلهما عن وجه آخر هو إبريق كريستالي يعود إلى العصر الفاطمي (نهاية القرن العاشر ـ بداية القرن الحادي عشر). انتقاؤه المقصود للقطع الفنية، يحيلنا إلى تاريخ الشرق وصراعاته المستمرّة، حيث يقع المنزل الجديد لبعض القطع. تبدو هذه الصفحة الصغيرة المطبوعة والمعلّقة على أحد جدران المعرض، دليلاً للأعمال الخمسة المعروضة في المقابل. هناك خمس قطع فنية (طباعة ثلاثية الأبعاد) مثبتة على خلفيات ملونة كبيرة، تتخذ أشكال منمنمات فارسية. هكذا يقترح أطراً جديدة لهذه الأعمال، في موازاة التغييرات المادية والمعنوية التي يفرضها عليها التنقل المكاني. يدعونا إلى اختبار واكتشاف معان جديدة لما قد ينتجه هذا التداخل بين عمل غائب وآخر حاضر. قد تكون إشارة إلى قوالب العرض الكثيرة التي اختزلت وأطّرت الفنون الإسلامية لسنوات، واختراع سبل لتكسيرها وإعادة التفكير فيها. قوالب تشمل الأحداث السياسية التي فرضت نظرة جديدة إليها في العالم، والنظرة الاستشراقية التي تمكّنت منها لفترة طويلة، واقتصار اهتمام المتاحف بصحة الأعمال المادية مقابل معانيها ووظائفها. أما الظلال التي تفتقدها القطع الفنية المتضررة بسبب تداخل الأعمال مع بعضها، فقد رسمها على الخلفيات كما يقول النص، بينما تقول الإضاءة المصوّبة على القطع عكس ذلك، ربّما. هل يجب النظر إلى العمل الفني كجسم مستقل بذاته؟ ما السرديات والمعاني التي ألقيت على القطع الفنية الإسلامية؟ وما هي التغييرات التي يفرضها التبدل المكاني (بسياقاته التاريخية والسياسية والثقافية...) عليها؟ يقف رعد في مرحلة مبكرة جداً، بجانب المعنى المصادر للفن الإسلامي ومقاييس تصنيف أعماله وخصائصها. كأنه بأسئلته هذه يبطئ عملية اقتناء الأعمال في «اللوفر أبو ظبي»، يدعوها إلى التمهّل، والتخلص من الخفة في طرق عرضها للفنون الإسلامية التي تقع ووقعت في السابق تحت تعميم أكبر، أكان من قبل المتاحف الأميركية والأوروبية التي بقيت تعرضها في أركان هامشية حتى وقت قريب، أم من المتاحف العربية في لحظة لقائها مع هذه القطع.
يواصل رعد إحياء الغائب ودعوته افتراضياً في تجهيز «رسائل إلى القارئ» (2014). لم يفتتح أي متحف حديث في بيروت حتى الآن، لكنه يبنيه في المعرض، وإن بخيوط مرئية. هناك جداران مسطحان يظهران بلاطاً خشبياً وطلاءين زهرياً وأخضر. يعلمنا نصه أنه أثناء زيارته إلى المتحف البيروتي، تنبّه إلى غياب الظلال عن الأعمال. وما اعتقده في بداية الأمر عملاً تخريبياً من قبل الجماعات المتطرفة دينياً، لم يكن سببه سوى عدم الاهتمام بالجدران. نعرف أن الظلال كي تظهر، تتطلب عنصرين صلبين مع إضاءة. لكنه هنا يحفر الظلال المفترضة على اللوحين، عله يجذب الظلال التائهة لأعمال غير موجودة في الأساس. من خلال التسطيح الذي تصنعه الجدران والأرضية، وعبر حفره الظلال، يضع غطاءً فوق غطاء. إذ لا وجود لمتحف للفن الحديث في بيروت من الأساس، أمام ازدحام المدينة بالغاليريهات المعاصرة. فجوة كبيرة تطرح أسئلة استباقية، عن الخيوط التي تربط الحديث بالمعاصر، وكيفية عرض هذه الأعمال الحديثة، إذا ما تم ذلك. تستدعي هذه المينيمالية الفضاء البيروتي الأكبر وطبقاته المركبة التي قد تحوي يوماً متحفاً كهذا. قبالة الجدارين، تصطف رسومات واسكتشات للفنان السوري الراحل مروان قصاب باشي مرسومة على خلفيات لوحات، ومعلّقة على جدار بطلاء منزلي أزرق قديم ومرقط. يترك لنا الاحتمالات مفتوحة على ما إذا كانت هذه اللوحات لباشي حقاً أم لا.

انتقاؤه المقصود للقطع الفنية، يحيلنا إلى تاريخ وصراعات الشرق حيث يقع
منزلها الجديد
لقد عثر عليها في مخزن «متحف بيروت الوطني» الذي لم تعرض فيه أي لوحة لباشي من قبل، وبقيت قابعة في المستودع، محجوبة.
يحاول رعد مجدداً إيقاظ العلاقة المهتزة بين الفنون البصرية العربية الحديثة والمعاصرة. لا تتبع أعمال باشي أي نسق محدّد أو علمي في طريقة عرضها، بل إنها تعارض الطرق المتبعة في المتاحف والمحافل الفنية، فالأعمال معروضة من الخلف، والجدران ليست جدران متحف، والبراويز تبدو متشققة ومكسرة وذات أحجام متفاوتة. اختار الفنان المشاكس تظهير رسومات باشي ضمن هذا الإطار المخربط ربما لخلخلة طرق العرض النمطية داعياً إلى التفكير في كيفية التعاطي مع هذه الأعمال الحديثة المحجوبة.
أما في preface ( ــ 2016) فيتعاون رعد مع المعماري اللبناني برنار خوري، لتقديم مقترحهما لمسابقة تصميم «متحف بيروت للفن» (BEMA) التي دعت إليها الجمعية اللبنانية APEAL. نشاهد في المعرض خرائط للمشروع الذي تم رفضه، ومجسماً كبيراً له. يبدأ رعد وخوري مشروعهما من سؤال أساسي: «هل نحن متنبهون أو هل كنا قد تنبهنا إلى المعاني والأفكار والأشكال والخطوط والأحجام والألوان التي أتاحها لنا الفن الحديث وذلك المعاصر وفنانوه في لبنان؟». إنهما يثيران إشكالية تتعلق بفهم أرشيف الفن اللبناني الذي لا يزال ينمو حالياً، وإعادة قراءته ونبشه، والبحث عن الروابط التاريخية بين مراحله. يقدّم المشروع الطبقة صفر، أي مرحلته الأولى. لا مبنى مرتفعاً في الخرائط الهندسية المعلّقة في المعرض. تظهر حفرة عميقة وسط عمارات بيروت، تتمدد بدورها إلى الفضاءات والمخازن والبيوت «الأميرية» التي تحوي جزءاً من إرث مشتت وقابع بيد الملكية الخاصة ومؤسساتها. التفكير في عمارة قد تحوي يوماً هذه الأعمال، تحمل تشكيكاً نقدياً للبناء وأولوياته، أهو معنوي أو مادي؟ هل ما ينقص حفظ الأعمال الفنية الحديثة والمعاصرة، هي فقط الجدران والإضاءة والبلاط اللامع؟ إجابة كهذه ستصرفنا حتماً عن التفكير في العمارة أمام ضرورة العودة إلى الوراء. تعبر بنا الحفرة إلى الجذور وإلى الماضي، الذي يبدو كما لو أنه بتر، لأسباب مختلفة، من تاريخ الفن اللبناني.
القسم الثاني من المعرض يضم أعمالاً من مشروع «أطلس غروب» (1989 ــ 2004) الذي اختلف تعريفه بين بلد وآخر ومع تبدل الزمن والوقت. في نيويورك، وصف الفنان مشروعه الطويل بأنه «مؤسسة غير ربحية تأسست في بيروت عام 1967». صار التعريف في بيروت عام 2002: «أطلس غروب مؤسسة خيالية أسّستُها عام 1992». علماً أننا كنا قد عرفنا سابقاً أن مؤسستها هي مهى طرابلسي، وقد أطلقت الجمعية عام 1976. تخلى رعد عن فكرة أن مشروعه الفني يعنى بالحرب الأهلية اللبنانية، بسبب التجريد الذي يحمله مصطلح كهذا. الأصح أو الأقرب إلى الحالة اللبنانية وأحداثها وأطرافها وأبطالها، هو الحروب اللبنانية. طلب من جمهوره التعاطي مع أعماله وفيديوهاته وصوره ومحاضراته ونصوصه على أنها «وثائق هستيرية» لا تنطلق من ذكريات فعلية، بهدف تظهير الاختلاقات التي يتعرّض لها تاريخ الحرب الأهلية اللبنانية وكيفية نقله بعد سنوات. «خداع» كهذا يقود ممارسته الفنية التي تسعى إلى التنقيب عن التاريخ خارج سياق التاريخ العام، فيما يحاول بشكل أو بآخر اقتراح تعريفات للتاريخ الذي يبدو عنده مصاباً بالتباس مزمن بين الحقيقة والخيال وتعدّد السرديات التي تصل إلى سوريالية معينة كما في مجموعته «من الأفضل مشاهدة الغيوم» (1992 ــ «أطلس غروب»). في المجموعة عدد من الكولاجات التي تظهر وجوه سياسيين لبنانيين وعرب، بالأبيض والأسود، ملصقة على صور علمية لنباتات وأزهار مختلفة. وكما يخبرنا النص المرفق الذي لا نعرف بالطبع مدى صحته، فإن هذه الصور وصلته من الضابطة المتقاعدة في الجيش اللبناني فدوى حسون. خلال السبعينيات والثمانينيات، أوكل المكتب الثاني في لبنان لعالمة النباتات حسون مهمة تحديد الأسماء الحركية للقادة والسياسيين المحليين والدوليين، باستخدام أسماء نباتات محلية تنبت في لبنان. استخدم رعد أو حسون الأزهار والنباتات كرمزية للأرض اللبنانية (تتضمن الألواح معلومات عن المناطق التي تنبت فيها هذه النباتات) للإحالة إلى السياسيين العرب والمحليين والدوليين الذين كانت لهم أدوار مباشرة وغير مباشرة في الحرب الأهلية اللبنانية. هناك أيضاً صور فوتوغرافية من مجموعته Sweet Talk: Beirut، تظهر عمارات مهدمة وأخرى قيد الإنشاء في بيروت، وبنى وواجهات لمحال، في محاولة لالتقاط التغير المادي الجذري الذي شهدته بيروت في السنوات الأولى لما بعد الحرب أو سنوات «عبور الكارثة» وفق تعبير المنظر والكاتب جلال توفيق، على هامش تبدلات غير مرئية أخرى لم تقدر الكاميرا على الإمساك بها.

«من الأفضل مشاهدة الغيوم» لوليد رعد: حتى 30 كانون الأول (ديسمبر) ــ «غاليري صفير ــ زملر» (الكرنتينا ــ بيروت). للاستعلام: 01/566550