دمشق | في حياة السينمائي السوري عبد اللطيف عبد الحميد (1954) الكثير من الدراما، وقد عرف كيف ينطلق منها نحو أفلام تستعيد جزءاً من ذكرياته، فحقق انتشاراً واسعاً. كانت أمّه مثلاً تصفّر لتطرد بنات آوى، مما أوحى له بفيلمين حققا نجاحات ساحقة هما «ليالي ابن آوى» (1989) و«رسائل شفهية» (1991). بعد ذلك، انتقل إلى الرومانس، وقدّم «نسيم الروح» (1998) فأوقف الشارع السوري، وكرّس في مرّات قليلة مفهوم فيلم شبّاك التذاكر.
ثم بطريقة مواربة، كنوع من الاحتيال المشروع على الرقيب، خاض في خلفيات المعتقلات السياسية وقدّم ما يشبه التحية لمعتقلي الرأي في «خارج التغطية» (2007)، إضافة إلى تجارب كثيرة تثبت بأن أوكسجين الرجل هو العمل الدائم، يعرف كيف يصنع أفلاماً بميزانيات متواضعة هي ما يتاح له من القطّاع العام.
على هذه الحالة، لا يمكن الحديث عن السينما السورية من دون التوقف عند أحد أركانها وأعمدتها. لكن عبد الحميد كأنه قرر أن يغيّر طريقة شغله، ويذهب بشكل مكثّف نحو قصص الحب.

فعلياً هو يقول للعالم بأنّه موجود يتحدى الحرب، وينجز سينما بأبسط الميزانيات في سنواتها العجاف. لكن النتاج أقل هيبة مما كان عليه بالأمس. ربما لم يعد ذاك الساحر الذي يقبض على قلوب الجمهور بضربة واحدة، ويجعله يلحق به حتى عندما تعيد الفضائيات تقديم أفلامه.
في شريطه الجديد «طريق النحل» (روائي طويل- بطولة يامن الحجلي، وجيانا عنيد، وبيار داغر، وعبد اللطيف عبد الحميد، وقاسم ملحو، ووائل زيدان، وغادة بشور، وبيدرو برصوميان وعبد الرحمن قويدر)، يعود عبد الحميد إلى فرضية سهرة تلفزيونية سبق أن كتبها للتلفزيون السوري منذ القرن الماضي، ولعب بطولتها بسّام كوسا، تتمحور حول شخصية بارعة في تقليد الأصوات.


نجا من مأزق الأدلجة، والتحريض اللذين طبعا الأعمال السورية

لكن إعادة تقديمها هنا تأتي بقصد توظيف هذه الموهبة لزيادة جاذبية صاحبها (يؤديها يامن حجلي)، مما يجعل الصبية التي يشاركها السكن (جيانا عنيد) هي وشقيقها (وائل زيدان) في بيت عربي في الشام القديمة، تقع في حبّه بسرعة. لكنها مقابل ذلك، تركت لتوّها حباً قديماً جمعها بشاب (بيدرو برصوميان) وصل إلى ألمانيا وراح يقدّم لها المغريات كي تلحق به. في هذه الأثناء تقودها المصادفات للقاء المخرج (عبد اللطيف عبد الحميد) الذي يبحث عن بطلة لفيلمه، فيجد في الشابة ضالته، مطوّعاً عفويتها لصالح حكايته. في الفيلم، تتعرف الصبية إلى نجم سينمائي ثري (بيار داغر) فيباغتها بمشاعره العميقة، وتقع في حيرة بين الشاب الوسيم الموهوب الذي يجايلها وتجده مناسباً، أو النجم الثري، أم الحبيب السابق الذي يقترح عليها فكرة الخروج من بركان اللهب الذي يسيّج الشام، لتنتهي بقرار الهجرة الذي تلغيه في قاعة المطار وتعود مع حبيبها الشاب على إيقاع أغنية «طريق النحل» لفيروز. في التقاطة بصرية ذكية تؤخذ أوّل مرة لدمشق، بدءاً من المطار، مروراً بالعشوائيات المهدمة، وصولاً إلى قلب المدنية، تترك الاحتمالات مفتوحة على دلالات متعددة، ورمزية عميقة، عن المدينة التي أكلتها الحرب، وصار السفر عنها واجباً. لكن العودة إليها بمثابة حلم يلتهمه الحنين اليومي، دون أن يكون سكّانها سوى قائمة موتى مرشحة للقبر تباعاً، بأسباب متعددة أبرزها قذيفة الهاون. مع ذلك، تبقى الشام صاحبة المزاج الخاص، والسحر الرباني الملهم. لعلّها ألمع لقطة، وأكثرها ذكاء في الفيلم. وفق هذه التركيبة، تسير الحكاية بتراتبية تلفزيونية بحت، كأنها تهدم الفوارق بين الفيديو والسينما. بإيقاع بطيء، يفقد الشريط حيويته، رغم محاولاته تطعيم الرومانس بشيء من الكوميديا، لتكون عفوية الأداء لدى وائل زيدان هي الأنجح في صياغة لحظات طريفة، لكن كان ممكناً ببساطة، الاستغناء عن الكثير من مشاهد الفيلم دون أن تتأثر بنية الحكاية. كذلك لم تؤت فكرة الاستعانة ببعض الأسماء المكرسة مثل سلاف فواخرجي والسيناريست حسن سامي يوسف والشاعر عادل محمود، ليمروا بالفيلم بشخصياتهم الحقيقة ثماراً تذكر. ورغم أن النية واضحة بتقديم شخصية مغرية، يمكن لفتاة شابة أن تقع في حبها، وهذا يبدو موائماً لمقاسات بيار داغر، لكن اللهجة اللبنانية أتت مقحمة. كذلك، يبدو الشريط كلّه، كأنه سهرة تلفزيونية تمتعنا ببعض أجزائها وتصيبنا بالملل في مكامن أخرى! لكنها نجت من مأزق التدجين، والأدلجة، والتحريض السياسي، والرؤية بعين واحدة، وهو ما تقع فيه العديد من الأفلام السورية هذه الأيّام.