باريس | منذ عمله الروائي الأول «حريم مدام عصمان» (2000)، لفت السينمائي الجزائري، نذير مقناش، الأنظار بنبرته المشاكسة وصنعته الفنية المتقنة. لم تكتف أفلامه بالسير على خطى أسلافه من أقطاب سينما «الواقعية الاحتجاجية»، التي أسّست لها أعمال مرزاق علواش ومحمد شويخ ومحمود زموري.


إلى جانب النبرة النقدية والمنحى الاجتماعي، اللذين شكلا لازمة في هذه المدرسة السينمائية الجزائرية المجددة، منذ سبعينات القرن الماضي، انفردت أفلام صاحب Viva Laldjérie (2004) بخاصية اعتبرها بعضهم «صادمة» لقيم المجتمع الجزائري، الذي تهمين عليه الرؤى الذكورية. خاصية تمثلت في المرافعة باسم «مجتمع الهامش» وعوالم المسحوقين والمنبوذين التي تتعايش (وتتصارع) في أتونها عاملات الجنس المعنّفات، والمثليون المنبوذون اجتماعياً، والبطالون من ذوي السوابق والمدمنون، الذين يمتهنون الاحتيال والسرقات الصغيرة.
من «مدام عصمان»، المطلّقة التي تلاحقها الأقاويل والإشاعات، لأنها تؤجر غرف بيتها لمجموعة من الفتيات العازبات، إلى «مدام ألجيري» التي تتخذ من مهنة القوادة وسيلة للنفوذ السياسي والمالي، مستعملة مفاتن «بناتها» للتغلغل في دهاليز الإدارة الفاسدة التي تحكم قبضتها على البلاد، أشهر نذير مقناش على الدوام شخوصه الإشكالية سلاحاً في وجه المحظورات السياسية والاجتماعية. مما صبغ أفلامه بطعم الفضيحة، وعرّضه لموجات عارمة من الانتقادات، التي بلغت أشدّها مع منع فيلمه «ديليس بالوما» من العرض في الجزائر، عام 2007.
هذا الحظر دفع نذير مقناش إلى الاحتماء بالعزلة. استقرّ في طنجة قرابة خمسة أعوام، وصوّر هناك فيلمه الرابع Goodbye Morocco (2011)، الذي ابتعد فيه، مؤقتاً، عن بلاده، مستعيضاً عن ليالي الجزائر الصاخبة بعوالم المهمشين التي يشتهر بها مسقط رأس محمد شكري.
بعد سبعة أعوام من الغياب، ها هو نذير مقناش يعود ليقدّم فيلمه الجديد Lola Pater، الذي تتأرجح شخوصه بين ضفتي المتوسط، متقلبة بين فكي غربة مزدوجة في موطنها الأصلي الجزائر، وفِي المهجر الفرنسي.


وصفت أفلامه بأنّها «صادمة»
لقيم المجتمع الجزائري، الذي تهيمن عليه الرؤى الذكورية


غداة وفاة والدته، ينطلق بطل الفيلم «زينو»، وهو شاب جزائري ولد وتربى في باريس، في رحلة طويلة بحثاً عن والده «فريد»، الذي اختفى قبل ربع قرن. كانت والدته قد أقنعته بأن زوجها تطلّق منها وعاد للعيش في مسقط رأسه في الغرب الجزائري. وإذا به يكتشف أن والده، الذي كان راقص باليه مشهوراً في فرقة المسرح الوطني الجزائري، يعيش في جنوب فرنسا، حيث يدير مدرسة للرقص الشرقي. يمتشق الشاب دراجته النارية، قاصداً والده في «مونبولييه». لكن حين يصل الى مدرسة الرقص التي تحمل اسمه هناك، لا يجد أثراً لـ «فريد»، بل تستقبله مديرة المدرسة «لولا». يعتقد في البداية أن والده تزوج منها بعدما طلق والدته، ليكتشف في النهاية أنها ليست سوى والده المتحول جنسياً!
من خلال رسائل الحب، التي يعثر عليها في أوراق والدته، وقد ظلت تتبادلها مع طليقها «فريد/ لولا»، طوال ربع القرن الموالي لطلاقهما، يقوم «زينو» بتفكيك ألغاز هوية والده الملتبسة، مكتشفاً كيف اضطر للمغادرة الى باريس، بسبب التهديدات التي لاحقته بسبب ميوله الجنسية، ليصبح عاملاً يدوياً بسيطاً، بعدما كان راقص باليه مرموقاً في الجزائر. في المنفى الباريسي، تتوالى فصول تحولاته، فيتطلق من زوجته بالتراضي، محتفظاً معها بصلات رقيقة من المودة المتبادلة، ويجري عملية جراحية للتحول إلى أنثى. ثم يعود ويقع في قصة حب مثلية مع امرأة، ويعيش معها بقية حياته في عزلته المخملية في الجنوب الفرنسي!
بالرغم من التقلبات الفاقعة التي تتضمنها قصة الفيلم، وتنكشف تباعاً أمام بطله الشاب، نجح نذير مقناش في تحصين فيلمه من المطبات الميلودرامية، مبتعداً عن التغريب والنمطية اللذين غالباً ما يطبعان الأعمال السينمائية التي تتضمن شخوصاً من المتحولين جنسياً، وتتخذ من المقالب الفكاهية الفاقعة مبرراً لتغذية النزعة التلصصية للجمهور الذكوري.
بذلك، استطاع الفيلم أن يخرق التابو الاجتماعي المرتبط بظاهرة المتحولين جنسياً، من دون أن يقع في الابتذال أو الاستعراض الفاقع، بفضل خطابه المينمالي المسكون بروح التراجيديا. خطاب منحه حضور فاني أردان ألقاً مميزاً، اذ لم تتردد هذه النجمة الفرنسية، التي خرجت من معطف فرانسوا تروفو وألان رينيه، في رفع رهان الظهور أمام الكاميرا من دون ماكياج، وهي في الثامنة الستين، واضعة نجوميتها وموهبتها الفذة وجسارتها الفنية في خدمة شخصية «فريد/ لولا»، مما منحها سحراً خاصاً مجبولاً بطعم التمرد والتحرر والاختلاف.