أدهشتنا الممثلة اللبنانية يارا بو نصار في عملها الجديد مع أنالينا فروخ «نفَس عميق» الذي قُدّم أخيراً في «ستايشن» في بيروت. «نفٓس عميق» ثمرة شغل جدي طويل النفس على الجسد والمشاعر وحالات القهر والانغلاق والفراغ والفوبيا والهواجس، وتداعيات العنف بأشكاله. في مجتمع متخلف دمرته الحروب الأهلية والانهيار المدني... أو في الغرب الرأسمالي المتقدم المستكين الى ثرواته وإنجازاته.


نحن في المختبر المسرحي، أو المسرح المختبر. الذي يقوم على دراسة المشاعر والحالات الإنسانية القصوى، ويحاول أن يجد لها معادلات أدائيّة وبصريّة. في ديكور خفيف متقشّف، يغمره بياض المشفى، أو المختبر، حتى ملابس «فأرتي المختبر» مسرفة في بياضها... تعتمد المسرحيّة على تقنيات مسرح الصورة، والفضاء الاصطلاحي الذي يقحم المتفرّجين، ومساءلة اللغات المهيمنة (فيديو المراقبة وتسجيل الصورة واستعادتها)، كما يعتمد على تواتر اللغة الحركية والمونولوغات، والحالات الشعورية، الصخب الداخلي في مواجهة الخواء والصمت.
العمل على درجة عالية من النضج الفني، في الرؤيا واللغة والأسلوب، والبنية الدرامية - السينوغرافية المتقنة، والأداء التمثيلي والجسدي، والتوظيف الشعوري المتقن للموسيقى (باد كونكا لايف على المسرح)، والقالب الذي يحاكي اختباراً علمياً غير بعيد عن معسكر الاعتقال.
هذه المسرحية المشدودة الى أعصاب المؤديتين (رقصاً وتمثيلاً) وأنفاسهما، تستعيد بلغة الجسد حالات القلق والعزلة. وترصد أثر الانهيارات النفسية على السلوك البشري، وهي تجمع بين الابتكار والنضج الفني، في التعبير عن حالات وهواجس إنسانية تجد صداها العميق اليوم في بيروت (أو أي مدينة عربية أخرى)، وإن كانت التجربة قد تشكلت بشراكة سويسرية تحمّلها أبعاداً وهواجس ومعاناة من المقلب الآخر من العالم، وهذه قوّة إضافيّة تسجَّل للعمل وتصنع فرادته. الشغل على الجسد والفضاء، وهندسة المشاهد والمونولوغات واللغات. كل شي مدهش وجديد.
إنجاز سنحفظه ليارا بو نصار التي نتابعها بشوق ومتعة واهتمام، من تجربة الى أخرى: ممثلة استثنائية لا تكتفي بهذا الدور... بل تقارب التأليف والإخراج. وتتعامل مع خشبة المسرح، كأرض لأسئلة جيلها المعلق في لبنان بين زمنين، بين عبء الماضي الثقيل وخواء الراهن، بين موت وحياة، بين يأس وإصرار على التجاوز. تطرح يارا الأسئلة الوجودية والإنسانية الكبرى انطلاقاً من المفرد والخاص والحميم. وفي هذه التجربة تخطّت، بأشواط، كل إنجازاتها الماضية.
تحية من الأعماق.