بعد سلسلة تغريدات تذّم بالإتفاق النووي بين إيران والقوى الغربية في فيينا أمس، اقتنع الإعلامي جمال خاشقجي «بالحقيقة المؤلمة» كما وصفها، داعياً «إعلام البكش العربي» الذي «يرّوج لهزيمة إيران» أن يعترف بأن إيران كسبت الجولة. ودعا هذا الإعلام إلى التوقف عن «الترويج للأوهام ونشر ثقافة المواجهة». الخاشقجي الذي كان نجم الساحة أمس من خلال تفاعله مع الحدث عبر حساباته الإفتراضية، عكس من خلال التغريدة المذكورة حالتي التخبط والنكران اللتين مرّ بهما الإعلام العربي، خصوصاً الخليجي إثر إعلان الإتفاق بين إيران والدول الغربية.


فرض هذا الإتفاق واقعاً اربك هذا الإعلام في طريقة التعامل معه بين تبخيسه وتصوير إيران على أنها الخاسر فيه وبين تظهير الموقف الصهيوني للإختباء خلفه.
قناة «الجزيرة» التي واكبت الحدث العالمي، حاولت قدر الإمكان أبلسة «الجمهورية الإسلامية الإيرانية» واللعب على وتر العلاقات الإيرانية العربية المأزومة، والتهويل بنتائج الإتفاق النووي على المنطقة العربية. برنامج «ما وراء الخبر» الذي عرضته القناة القطرية أمس تحت عنوان «هل يطلق النووي يد إيران بالمنطقة؟» عالج ما أسماه «الهواجس العربية» حيال الإتفاق الشهير. إيران كما قدمتها فيروز زيّاني على لسان «فريق عربي» هي التي «توغلت في المنطقة مثقلةً بالعقوبات، فما بالك بعد أن تتحرر منها فور توقيع الإتفاق؟». ركزت محاور البرنامج على العنصر العربي الذي كان غائباً في المفاوضات ولم يكن له أي رأي بشأنها. ضيف الحلقة كان خاشقجي نفسه الذي وضع المسؤولية مجدداً على العرب الذين يعانون برأيه من خلل جعل إيران تستغله وتتوسع. طبعاً لم يتوان الإعلامي السعودي عن مهاجمة إيران واتهامها في التورط في ملفات دموية عدة في المنطقة.
الإعلام السعودي لم يكن أشفى حالاً. فقد بدت على شاشاته وصفحات صحفه نفحات من الجنون والهستيريا والبحث عن تبخيس للإتفاق. يكفي فقط النظر الى الباب المخصص لمقالات الرأي حتى تتكرر عبارة «الإتفاق النووي». هذا في الشكل، أما في المضمون فتطايرت عبارات «السمّ» و«الشرّ» على ألسنة رؤوساء تحرير الصحف السعودية. رئيس تحرير صحيفة «الشرق الأوسط» سلمان الدوسري عنون مقالته «الإتفاق النووي يفتح أبواب الشر». مارس الدوسري شيئاً من التحطيم وإفراغ الحدث من مضمونه، مع تصوير إيران على أنها «أكبر الخاسرين» وقد «عادت الى نقطة الصفر» كما أورد. وفي معرض حديثه عن هذا الإتفاق، ادعى أنّ الاتفاق أرغم إيران على الرضوخ. ويبقى القلق حسب وصفه من استمرارية النظام الإيراني في «زعزعة استقرار المنطقة». الدوسري ختم مقالته بالتنبيه إلى أنّ الإتفاق قد يفتح «أبواباً للشرّ برعت إيران في طرقها واحداً تلو الآخر». هذا في «الشرق الأوسط»، أما في صحيفة «الحياة» السعودية فقد أورد رئيس تحريرها غسان شربل في افتتاحيته التي أسماها «مواسم السمّ» أن الطرف الثالث في هذا الإتفاق الى جانب إيران والدول الست الكبرى كان «أبو بكر البغدادي». حاول شربل في هذه المقالة القول بأن وجود «داعش» ومحاربة إيران لها في المنطقة سهّلا حصول هذا الإتفاق. وبدهاء شديد مبطن، مرر الكاتب اللبناني اتهامه لإيران في حال «لم تتغير»، فإننا سنشهد كما قال على «مواسم السمّ» في الإقليم في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
قناة «العربية» بدورها، أمطرت المشاهدين بمقاطع تعريفية عن مرشد الجمهورية في إيران علي خامنئي، وعن الديانات والمذاهب الموجودة هناك. كما أفردت مساحة لافتة للموقف الصهيوني لا سيما موقف رئيس وزراء «إسرائيل» بنيامين نتنياهو. رسالة من موفدها الى القدس زياد حلبي وصفت الحالة السائدة هناك، حيث يغرق الكيان الصهيوني كما قال في حالة من «الإحباط» بعيد الإتفاق الحاصل في فيينا.