باريس | لا شك في أن «صالون الجزائري الدولي للكتاب»، الذي اختُتمت فعاليات دورته الـ 22 أخيراً، يعدّ أحد أبرز التظاهرات الثقافية في البلاد. فقد استقطب هذه السنة قرابة مليون زائر، وشارك فيه 920 ناشراً من 52 دولة. ومن نافل القول إن تظاهرة بهذا الحجم توفر للقارئ الجزائري، في ظل الانهيار الكامل لسوق استيراد الكتاب، فرصة نادرة للاختيار من بين أكثر من 120 ألف عنوان في الصالون، فضلاً عن برنامج ثري من اللقاءات والندوات الثقافية والفكرية من بينها ندوة تاريخية عن جرائم الاستعمار.


تزامنت هذه الندوة مع ذكرى انطلاق ثورة التحرير الجزائرية (1 نوفمبر)، وكان مرتقباً أن تشكل إحدى المحطات الأبرز في دورة هذه السنة. لكن سيف الرقابة سرعان ما أطل بأنفه ليعصف بهذه الندوة. في العاشر من تشرين الأوّل (أكتوبر) الماضي، أي قبل أسبوعين فقط من افتتاح الصالون، أعلنت إدارته عن استبعاد باحثين مرموقين، هما عالم الاجتماع ومدير مجلة «نقد» الجزائرية المرموقة دحو جربال، وزميله عيسى قادري، من المشاركة في الندوة المخصصة لنقد الإرث الاستعماري.
ندّد الباحثان بالقرار، وأصدرا بياناً تساءلا فيه عما إذا كان إبعادهما إجراءً عقابياً مرتبطاً باشتراكهما في عريضة نشرتها صحيفة «الوطن»، يوم 6 أيلول (سبتمبر) الماضي، وحملت تواقيع عدد بارز من المثقفين والجامعيين، للمطالبة بإقامة انتخابات رئاسية مسبقة لإخراج البلاد من حالة الفراغ التي تتخبط فيها بسبب مرض الرئيس بوتفليقة. وإذا بمحافظ «صالون الجزائري الدولي للكتاب» حميدو مسعودي، يردّ بعذر أقبح من ذنب، قائلاً: «حتى إشعار آخر، هذا الصالون يقام تحت الرعاية السامية للرئيس بوتفليقة. ومن لا يحب سيادة الرئيس، لا يجدر به أن يحصل على دعوة موجهة باسمه».
ضجّت الأوساط الثقافية ببيانات الاحتجاج، وانسحب باحثون من المشاركة في تلك الندوة، تضامناً مع زميليهما المُبعدين. وكان من بين هؤلاء الممتنعين، المؤرخ الفرنسي أوليفييه لوكور - غران ميزون، الشهير بأبحاثه الرائدة في مجال التوثيق للجرائم الاستعمارية، وكان مرتقباً أن يكون إسهامه محطة فارقة في ندوة نقد الإرث الاستعماري.
لم تتوقف الأمور عند ذلك الحد، بل ضجت وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي ببيانات وعرائض دعت الى مقاطعة الصالون، بخاصة أن ذلك البيان، الذي فاخر به حميدو مسعودي بتسليط سيف الرقابة على «من لا يحبون الرئيس»، لم يكن أول حماقة يرتكبها «سيادة المحافظ». في الأسبوع الأخير من أيلول (سبتمبر) الماضي، حين كُشف عن القائمة الرسمية للكُتب الممنوعة من المشاركة في الصالون (بلغت هذه السنة رقماً قياسياً فاق مئتي كتاب)، ظهر حميدو مسعودي على تلفزيون «النهار» (القناة ذاتها التي دبرت مقلب الكاميرا التكفيرية ضد رشيد بوجدرة في رمضان الماضي)، مبرراً تلك اللائحة الطويلة من الكتب المحظورة بقوله إن الأمر يتعلق بـ «مؤلفات تصب في الترويج للعنف والشعوذة والفكر المتطرف أو تخالف التقاليد والأعراف الاجتماعية الجزائرية». ما دفع المذيعة الى سؤاله: ما دام الأمر يتعلق بمنع الكتب التي تروّج للعنف والشعوذة، لماذا لم يشمل الحظر العديد من الكتب التي تشارك سنوياً في الصالون، من قبيل كتاب «كيف تضرب زوجتك»؟ وصُعق المشاهدون بردّ غير متوقع من قبل محافظ أبرز فعالية ثقافية في البلاد، إذ قال إن «مثل هذا الكتاب قد يكون مفيداً.


كتب محظورة بدعوى التشيّع والترويج للعنف والتطرف والشعوذة
فكل الرجال يضربون زوجاتهم في لحظات الانفعال. لكن عندنا في الجزائر، يضرب الرجل زوجته، فيخيل إليك حين تراها بأن شاحنة قد صدمتها! عليه على الأقل أن يتعلم حين يضرب زوجته أن يفعل ذلك ببعض التهذيب»!
حيال موجات الاستنكار العارمة التي أثارتها تصريحاته المشينة، اضطر حميدو مسعودي للاعتذار، زاعماً أنه كان يمزح! وبالرغم من الأصوات الكثيرة التي طالبت بإقالته، لأن تصريحات كهذه لا تليق ببلد جميلة بوحيرد، إلا أن وزير الثقافة الشاعر عز الدين ميهوبي (الرئيس السابق لـ «اتحاد الكتاب العرب»)، التمس له الأعذار، قائلاً إنه «يأسف لهذه المزحة غير الموفّقة، لكن هذا النوع من الفكاهة يبقى جزءاً من الثقافة الشعبية الجزائرية»!
كل هذه التجاذبات جعلت فعاليات الصالون تجري في أجواء بالغة التوتر، لتتحوّل من فضاء للتبادل الثقافي والنقاش الفكري إلى حلبة للخلافات والفضائح والمشاحنات. أسهمت في احتقان الأمور أيضاً معارك شخصية نشبت أخيراً بين عدد من أبرز كُتاب الجزائر. وقد وصلت إحداها إلى حد رفع دعوى قضائية ضد الروائي رشيد بوجدرة من قبل كمال داوود، على خلفية الاتهامات التي وجهها له في كتابه المدوي «مهربو التاريخ» (راجع «الأخبار» ــ 27/9/2017). أما بقية الكُتّاب الذين شملتهم انتقادات بوجدرة، أمثال ياسمينة خضرا وواسيني الأعرج وبوعلام صنصال، فقد تفادوا المواجهة الفكرية المتعلقة بمناقشة ظاهرة الأدب النيوكولونيالي، مكتفين بتسقّط زلات صاحب «شجرة الصبار» والتحريض ضده في كواليس الصالون أو عبر وسائل الإعلام. بالتالي، غاب النقاش الفكري، وباتت النميمة سيدة الموقف!
حيال انشغال كبار الكُتّاب بمعاركهم الصغيرة، تواصل مسلسل الرقابة، إذ تبين أن غالبية الكتب المحظورة لا صلة لها بالترويج للعنف والتطرف والشعوذة. من بين 170 كتاباً تم منعه، نجد 6 كتب فقط تتناول قضايا التطرّف والإرهاب، مقابل 7 كتب مثلاً عن سيرة معمر القذافي! وككل سنة، كانت لإيران والمغرب حصة الأسد في حصاد الرقابة الجزائرية. حظر العشرات من المؤلفات الإيرانية يتم رسمياً تحت شعار «محاربة التشيّع». أما المحظورات المغربية، فعادة ما تكون مرتبطة بالصراع العتيد بين الجزائر وجارتها الغربية حول إقليم الصحراء. لكن الغريب في قائمة ممنوعات هذه السنة أنها شملت عملاً أكاديمياً من الكلاسيكيات، وهو «قراءة جديدة في تاريخ المغرب الغربي» للراحل عبد الكريم غلاب!
الأدهى من كل ذلك أن فضائح الرقابة لم تقتصر فقط على إجراءات الحظر المقننة، التي تتم بشكل مسبق. قبل أربعة أيّام من اختتام الصالون، ضرب الروائي الشاب أنور رحماني موعداً مع قرائه لتوقيع روايته الجديدة «ما يخفيه الله عنا»، التي صدرت الشهر الماضي في القاهرة (راجع «الأخبار» – 30/9/2017). لكن نسخ الرواية احتُجزت في المطار بحجج جمركية، فتم إلغاء اللقاء. إلا أن ذلك لم يمنع دورية أمن من مداهمة الجناح المخصص للناشر، برفقة أعضاء في لجنة الرقابة التابعة لوزارة الثقافة. وحين لم يتم العثور على الرواية الجديدة، قامت «دورية الرقابة» بمصادرة كل نسخ راوية سابقة للمؤلف، وهي «هلوسة جبريل» التي صدرت العام الماضي عن منشورات «المثقف» الجزائرية!
وفقاً لأنور رحماني، فإن لجنة الرقابة برّرت قرار الحظر بأن الرواية «تسيء إلى رموز دينية، كالملاك جبريل والسيدة مريم العذراء! علماً بأن جبريل الذي تتحدث عنه الرواية هو الكاتب العالمي غابرييل غارسيا ماركيز. أما شخصية مريم، فهي فتاة جزائرية تعيش في الألفية الثانية ولا صلة شبه بينها وبين العذراء».
من سخرية الموقف أن الكتاب الجزائري المشاكس كان يعتقد، حين تصوّر في روايته أن ماركيز سيُبعث حيّاً في موطن كاتب ياسين، أنه يكتب أدباً «تغريبياً». فإذا به يفاجئ بأن غرابة وعبثية الواقع الثقافي الجزائري تفوق أي تخييل!