«ثلاثية الموت» تتنقّل بين أميركا وفرنسا


مع «عساه يحيا ويشمّ العبق» أنهى علي شحرور ثلاثية «طقوس الموت» التي بدأها مع «فاطمة» ثم «موت ليلى». كشفت الثلاثية عن الخيارات الفنية العامّة للكوريغراف والراقص اللبناني: تقريب الرقص المعاصر من المرجعيات المحلية والعربية، وتصميم دوافع الرقص، والبحث عن الحركة العفوية في أجساد النسوة من غير المحترفات، رغم عمله مع الممثلة السورية حلا عمران في عرضه الأخير. خلال الشهر الحالي وكانون الأول (ديسمبر) المقبل، ستعرض الثلاثية تباعاً بين أميركا وفرنسا. «موت ليلى»، أكثر الأعمال ارتباطاً بالذاكرة الفردية والحميمية سيقدّم على خشبة «مسرح غوثري» العريق في مينيابوليس الأميركية مساء 12 تشرين الثاني (نوفمبر). «عساه يحيا ويشمّ العبق» الذي دلّه إلى الجذور الأولى لطقوس العزاء في بلاد بابل، سيشارك في مهرجان Les Rencontres à l›échelle في مرسيليا الفرنسية، وسينقل العرض مساء 21 تشرين الثاني، عبر البث المباشر إلى حيفا ليتمكن الجمهور الفلسطيني من مشاهدته هناك. أما باكورته «فاطمة» مع الراقصتين رانيا الرافعي ويمنى مروان، فسيعرض في ستراسبوغ في فرنسا مساء السابع من كانون الأول (ديسمبر). استعادة الأعمال خلال الشهر الحالي كانت فرصة لإجراء حوار مع شحرور حول مشاريعه المقبلة، ومرجعية الحركة في أعماله، ومفهومه للرقص المعاصر المحلي، و«ثلاثية الموت»...

■ ما هو مشروعك الجديد؟
العنوان العام للثلاثية الجديدة هو الحب. نستند إلى قصص حب من التاريخ العربي وذاكرته وتحول أساليب وطرق التعبير عنه بين فترات الجاهلية والعصر الإسلامي والمجتمع المعاصر. ما هي أساليب التعبير عن الحب في المجتمع المعاصر وسط الكراهية والحقد؟ كيف تحول مفهوم الشاعرية إلى مفهوم مستهلك الآن؟ سنعمل على قصص لعشاق هدر دمهم ولاقوا حتفهم بسبب الحب.

نريد أن ندوّن كل القصّة. كيف تم التعارف أو اللقاء بين حبيبين. سنهتمّ أيضاً بحكايات تخطت حدود الدين والجندر والمجتمع، ليبقى منها الجزء السامي من المشاعر. في العراق العصر الإسلامي مثلاً هناك قصص حب مثلية لفقهاء، بينما قتل شاب اسمه كرار الرازي في العراق قبل أشهر بطريقة وحشية بسبب شكله المختلف. سنستعين بأشعار لأبي نواس والإرث الشعري الغزلي والإباحي. لعلّها فرصة مناسبة لدعوة الناس إلى مشاركتنا قصصهم ومراجعهم وتجاربهم المعاصرة.

■ هناك السلطة والدين والفراق أيضاً التي حضرت في عروضك السابقة؟
صحيح. الطبقات التي كانت في ثلاثية «طقوس الموت» موجودة هنا أيضاً. لكننا نتكلم حالياً عن حضور الجسد في حالات الحب، ودرجاته في اللغة العربية كالهيام والوجد وطريقة التعبير عنها في الجسد. من الممكن العمل على سرد القصة من خلال الجسد. البحث مرتكز على الذاكرة العربية. قد نستعين بأساطير أخرى لكن مراجعنا الأساسية هي عربية.

■ إلى جانب الموت، تطرّقت إلى الحب أيضاً في عرضك الأوّل «فاطمة».
صحيح. في النهاية كل شيء يخرج من الحب. في ثلاثية الموت، تطرقنا إلى أناس يعانون من موت أحبائهم، لكن هنا نتحدث عن حياة تقرر أن تتوقف وتنتهي بسبب شيء جميل. إننا نبحث كثيراً في جماليات الصور الموجودة عن الحب ويبدو جزء منها «كليشيه» وسطحياً. سنشتغل على سطحية هذه الصور، ونعيدها إلى جذورها أكثر.

■ لماذا تفضّل العمل على ثلاثيّة؟
أفضل الشغل على الثلاثيات لأن المواضيع التي نعمل عليها كبيرة وذات طبقات مختلفة، ومرتكزة إلى بحث نظري ولا قدرة لعرض واحد على اختصارها. السبب الأساسي أن يكون البحث حقيقياً، وأن يكون باستطاعتنا الإيغال من خلاله في التفاصيل، أي أن نخصص كل عرض في الثلاثية لموضوع محدد.

■ من أين ستبدأ بثلاثيتك الجديدة وكيف تنوي مقاربتها والعمل عليها تقنياً؟
في أحد هذه العروض، أرغب بالعمل على قصص حب فردية لأشخاص معاصرين. سيكون العرض عبارة عن ثلاثة سولوهات لنساء لديهن تجارب وقصص قوية مع الحب. واحدة من القصص مثلاً تحكي عن شخصية لديها علاقة حب مع المسرح لكنها فقدت قدرة على الوقوف على الخشبة. لن يشتمل الأمر بالضرورة على قصص حب بين الأشخاص. لدي الرغبة بالعمل على فلسطين مثلاً، والعنف والحب في قصائد محمود درويش. تقنياً أودّ اكتشاف أمكنة جديدة، مثلاً أن يكون العرض عبارة عن ثلاث ساعات أو أكثر، ما يبني تجربة حياة وعلاقة قوية مع المسرح. لا أعرف كم بإمكاننا الوصول إلى شيء كهذا هنا. لكن بشكل عام، ستكون مدة العروض أطول من الوقت الذي اعتدناه في العروض المسرحية. كما أن موضوعنا وموروثنا عن الحب والأطلال يتحمّل وقتاً طويلاً، إلى جانب بحثنا المعاصر الذي يسعى إلى التنقيب عن قصص لديها مقومات الخلود مثل مجنون ليلى.


أن نخلق عروضاً راقصة في بيروت هو فعل سياسي بحد ذاته

■ تعتمد عروضك على الشق النظري بشكل أساسي، والعودة العميقة إلى مراجعنا العربية، كم هو متاح عملياً استخراج الحركة من كل هذا؟
كل البحث النظري الذي ينطلق منه العمل أساسي جداً لخلق مراجع ومواد تجعلنا نفهم لماذا نشتغل رقصاً معاصراً حالياً. أنا لا أعمل بالرقص لسبب متعلق بجمالية الحركة أو بضرورة التحرّك فحسب. أن نرقص أو نخلق عروضاً راقصة حالياً في بيروت هو فعل سياسي بحد ذاته، لذا لا يمكن أن يكون مرتبطاً باللامرجعية. لذلك نعتمد على مرجعية الحركة بشكل أساسي، فكل حركة لديها مرجع له القدرة على تحريك شيء في ذاكرة الجمهور المحلي الجماعية. بالطبع ليس سهلاً نقل البحث إلى حركة أو موسيقى أو إلى غناء. ربما جمال هذا العمل يكمن في صعوبته أولاً. إذ لا نستطيع فصل المرجع عن الحركة. الرقص التجريدي إلى أقصى الدرجات هو رقص ممتع لكنه ينتهي في اللحظات الأولى لانتهاء العرض. من الممكن ألا يبقى شيء من بحثنا في العروض عملياً، لكن من المؤكد أن الجسد يحتفظ به ويحمله معه. هذا متعلق تماماً بالراقصات والأشخاص الذين أعمل معهم، والذين لا يملكون المبدأ التقني لحضور الجسد وللحركة على الخشبة. لديهم فقط ذاكرتهم وجسدهم وحركته وكيفية تفاعله مع المجتمع.

■ في «فاطمة» و«موت ليلى» عملت مع راقصات غير محترفات منهن الندابة ليلى شحرور، هناك احتمال كبير لوقوع الحركة العفوية بتكرار اليومي والمألوف. أين تجد الخط الفاصل بين هذا وبين تحول الحركات إلى عمل فني؟
صحيح. ما أراه أساسياً في عملي على ثلاثية الموت مثلاً هو الاشتغال على قوة الإيماءة نفسها. بمعنى أن حركة واحدة أو رمزية حركة معينة تملك القدرة على خلق قوة مضاعفة ومعان كثيرة على المسرح. لذلك، فإنني أنطلق من مواد حركية موجودة في الطقوس أو في الحياة اليومية. لكن كيفية توظيفها على المسرح، وتجريدها من سياقها الطبيعي، وتحميلها بطبقات مختلفة وسياقات وموسيقى، كل هذا يظهّر الحركة بحد ذاتها ومرجعيتها وقوّتها. في مشروعي الجديد، قررت أن أشتغل أكثر على قوة الإيماءة. بساطة الحركة وقوتها وطبقاتها هو الرقص بالنسبة إلي. فقوة الرقص ليست في قدراته الحركية التقنية، بل في الموقف الذي يستطيع تسجيله على المسرح.

■ أعمالك مشبعة بالإحالات إلى الطقوس المحلية والحركية والمرجعية، هل يعرقل هذا وصولها إلى الجمهور غير المحلي؟
واحدة من أهم السياسات التي أحرص على اتباعها والتقيد بها هي أن تبدأ المراحل الأولى لخلق العمل في بيروت، ثم تختتم فيها وتعرض هنا أيضاً. وما لم تتواجد هذه المراحل الثلاث هنا، أحس أن شيئاً ما سيكون مفقوداً. صحيح أن العروض مبنية على مواد محلية، لكني أظن أنها تخطت هذه الحواجز، إذ أن التفاعل معها في الخارج جيد بشكل عام. أعي أنه ليس سهلاً أن تنجو العروض من فكرة إعادة تقديم لثقافة المكان الذي آتي منه، لكن هذا ما أتجنبه كثيراً بطريقة عنيفة أحياناً في اللقاءات والمقابلات العروض. أؤمن بأنه ليس من واجبي أن أقدّم أعمالي ثقافياً، إذا كانوا مهتمين فعليهم أن يبحثوا بمفردهم. أنا لا أمثل المكان الذي آتي منه. أمثل ذاكرتي الشخصية، ونفسي كشخص يعيش في هذه المنطقة. أما أين ننجح في تخطي هذه القوالب، فحين يرى الجمهور العرض كعمل فني، وينصرف نحو مناقشة الأسئلة المتعلّقة بالرقص وبالمقاربة المسرحية وبالطرح الفني. أعتقد أن العروض استطاعت تخطي هذا في أحيان كثيرة، خصوصاً أنها تنطوي على مفاهيم أشمل. مثلاً في ألمانيا، تلقينا تعليقات كثيرة بعد عرض «موت ليلى»، الذي خلق نقاشاً حول البكاء على الموتى، وانحسار هذه الطقوس في الغرب.

■ عرض ثلاثية الموت خلال الشهرين الحالي والمقبل، فرصة ربما للنظر إليها بشكل شامل، كيف تراها الآن من منطلق نقدي؟
أعتقد أن هناك ما سيبقى من هذه الثلاثية يرافقني في أعمالي المقبلة. العمل على طقوس الموت كان أساسياً على المستوى الشخصي أولاً، وعلى صعيد الجرأة في اختبار المواد المحلية بالرقص المعاصر من دون الاهتمام بما قد يقال. هناك مسافة يتخذها الرقص المعاصر المحلي، والفنون المعاصرة عموماً من هذا الموروث خوفاً من النظرة الإكزوتيكية ربما. هذا الخوف يدفن المواد المحلية في الوقت الذي نحتاج فيه إلى مساءلتها بصرف النظر عما اذا كنا معها أو ضدّها. أعتقد أن هذه الثلاثية جعلتنا نتعمّق في هذه الناحية تحديداً. هناك ما أحبه أيضاً، هو أننا استطعنا العمل على دراماتورجيا الحركة والسرد من خلال الرقص من دون أن نخبر قصة واضحة. تم ذلك بالتعاون مع جنيد سري الدين، إذ وصلنا إلى سبيل نحو مرجعية الحركة وربطها بالمعاصر، وربط المواد كلها ببعضها عملياً بشكل ممتع. وقد ساعدني هذا على بناء طريقة تفكير منطقية ومنهجية بالحركة، خصوصاً مع التوجه الخيالي والفانتازي الدائم للفنان. أظن أننا استطعنا جنيد وأنا، بالتعاون مع الفريق، أن نخلق هذا الشيء في عرضي «موت ليلى» و«عساه يحيا». بالطبع هناك أشياء كثيرة يمكن أن أعيد النظر فيها، لكنني أحس أن العروض حملت شيئاً حميمياً وشخصياً استطاع الوصول إلى الناس. كما أنني كنت محظوظاً بالذين عملت معهم من راقصات وموسيقيين، إذ تبنوا الطرح الفني وذهبوا به إلى أقصاه.

■ ذكرت أن العمل عليها كان ملحاً على الصعيد الشخصي، ما هو؟
على المستوى المهني، كان هناك سؤال مرتبط بدافع الرقص نفسه. كنت أريد أن أجد حاجتي الخاصة للرقص، خصوصاً أنه ليس مصدراً ثابتاً لتحصيل الأموال، وليس لديه جمهور كبير، وكل الناس المحيطين بي لم يكونوا راضين عنه. لذا فإن الثلاثية كانت المدخل. أما المستوى الثاني فهو معرفتي بهذه المواد التي أعمل عليها، بسبب خلفيتي الثقافية، وتجربتي مع طقوس الموت والعزاء، ما صنع الحميمية مع الموضوع، إذ أنني لا أراه بعين خارجية. هذا ما خلق في الوقت نفسه صعوبة بالعروض، إذ كيف باستطاعتي أن أكون في الداخل من دون أن أغرق في المواد؟

■ ربما هذا ما استطعت الوصول إلى هذا بشكل أكبر في «عساه يحيا»؟
نعم. في «عساه يحيا ويشمّ العبق» كان هناك ما هو بارد وقاس، إلى جانب البناء الجمالي الفجّ والمرتبط بالجذور البعيدة جداً، بعكس «موت ليلى» تماماً. لقد قتلنا المشاعر وانصرفنا إلى ما هو أكثر عنفاً.

■ أعمالك مبنية على حضور المرأة. ألا تفكّر في العمل مع رجال، خصوصاً أن هناك قيوداً كثيرة مفروضة على الرجل وعلاقته بالجسد والرقص؟
في «عساه يحيا»، تطرقنا إلى حضور الرجل في مراسم العزاء. في الكوريغرافيا، كل الرجال (أنا والعازفان علي الحوت وعبد قبيسي) نقف وراء المرأة حلا عمران عاجزين. أرغب بشدة في العمل مع رجال، لكني أجد في طاقة المرأة على المسرح وحضورها وصوتها جمالية قوية. أشعر أنني لم أكتف من هذا بعد. قد أعمل مع رجال في المستقبل خصوصاً أن هناك تراكمات على حضوره وعلاقته مع الرقص.