منذ 1993، و«متحف الفن الرديء» (Museum of bad Art) في بوسطن يحتفي بالأعمال الأسوأ، على اعتبار أنها من السوء بحيث لا يجب أن تمر مروراً عرضياً على تاريخ الفن. لعل الحدث البيروتي على هذا الصعيد كان معرض ألفرد طرزي (1980) في «غاليري جانين ربيز». لم يكن جاهزاً يوم الافتتاح، ولا في اليوم الذي تلاه، ولا بعدها بأيام. كان الزوار يتفرجون على ما تيسّر لالفرد أن ينجزه في اللحظات الأخيرة.


عدم احترام مواعيد التجهيز رغم الافتتاح، وعدم الاحترافية كانا محل استغراب، إذ لا يليقان بتاريخ غاليري عريقة كـ «جانين ربيز». ولا نريد التصديق بأنّها مشت كبعض الصالات البيروتية في طريق ترسيخ الظاهرة الكابوسية المتفشية في السنوات الأخيرة: العرض غير المحترف والعرض للهواة - خاصة إذا كانوا ميسورين أو من عائلة ذات نفوذ - لا بل تقديمهم على أنهم محترفون. أعمال ألفرد طرزي، ليست لوحات ولا منحوتات ولا تجهيزاً بالمعنى المتعارف عليه. والأعوص أنها لم تقدَّم بالشكل المحترف واللائق، ولا توحي بأنها «فن». المعضلة الأساسية ليست هنا حصراً، بل تندرج ضمنها مجموعة أسئلة يتداولها المجتمع الفني الجدي في بيروت. ولعل هذا العرض غير المكتمل والهاوي، أفضل نموذج لمعالجة هذه الإشكاليات.
للدقة، قررنا التمعن في معرض الشاب ألفرد والبحث عما فيه من جديد أو مميز. أولاً البيان الفني الخاص بالشاب، كناية عما يقارب الـ 50 صفحة! المعرض يحمل عنوان Dear madness أو «عزيزي الجنون». فقد قرر طرزي أن لا يكون للعنوان ترجمة عربية مع أنه يدّعي إخبار المشاهدين عن بيروت التي «يفحمنا» بخارطتها المطبوعة على ورق مع «تمثال الشهداء».


غرافيكيات ذكورية غير «متحررة» من عقدها الجنسانية
هو لم يتدخل لجعلها «عملاً فنياً»، فهل تقمص الراحل مارسيل دوشان واستوحى منه الـready made؟ حتماً لا. طيب، فلنعد السؤال من وجهة نظر مغايرة: أين «الفني» في طباعة خارطة؟ ثم هل يعلم طرزي أن عشرات الفنانين اللبنانيين وغير اللبنانيين انجزوا أعمالاً نوعيّة بنيانها الأساسي خرائط مدينة بيروت (ليس طباعة بالتأكيد)؟ الأرجح لا، وإلا لما طبعها وعلقها من طرفها كالستارة غير المرتبة على الحائط. ماذا عن صور المومس التي التقطها؟ ولمَ تتكرر هذه الطباعة الرديئة؟ ماذا عن تلك الشبابيك المخلّعة التي راكمها بلا هدف؟ هل يعلم أن مراكمتها لا تعني فناً بل استسهال لمفهوم الفن؟ ماذا عن التركيبات الخشبية التي لا تمت - كما يدّعي- إلى البيت التراثي ذي القناطر بصلة؟ هل يعلم أن مراكمة الخشب (غير المطلي) بشكل شبه هندسي لا يحيل الرائي اطلاقاً إلى البيوت القديمة؟
نتوجه نحو الرادياتورات المتراكمة، ونبتهج، ظناً منا أننا وجدنا ضالتنا. وإذ بأحد العارفين بالحقل يذكرنا بشكل عفوي بأعمال الكبير ميشال بصبوص عن الرادياتورات منذ السبعينيات. طبعاً مع الإشارة إلى أن أعمال بصبوص محترفة حد الثمالة. ننتقل إلى مضامين بعض الغرافيكيات البورنوغرافية التي طبعت وعلّقت على الحائط تحت أشباه القناطر من الخشب المركب. وهنا نصل أيضاً إلى إحدى المعضلات التي تواجهها الساحة الفنية اللبنانية، وهي مقاربة الملف الجنساني من بابه الايروتيكي (راجع مقالنا عن المعرض الملفت الذي قدمه محمد عبدالله في هذا الإطار ــ «الأخبار» 1/7/2017). لكن ما قدمه طرزي لا يعدو كونه غرافيكيات ذكورية غير «متحررة» من عقدها الجنسانية.
وصلنا إلى آخر الصالة - وهي صالة صغيرة - ما يجعل المكان مكتظاً جداً بضجيج لا يعدو كونه تراكمات قبو. نرى أغراضاً «مكبوبة» لا تلزم أحداً، منها جزء من maquette يبدو أنها كانت «مكبوبة» والتقطها طرزي ليضعها تحت طاولة.
على الأخيرة، مدد شبه جثة/ أو كائناً عارياً على بطنه، ويده بين رجليه كأنه يلمس منطقة حميمة في جسده. وحوله كائنات صغيرة من طين منتصبة الأعضاء؟! وفوقه على الحائط مرآة قديمة ربما التقطها أيضاً من مكب ما. المهم أن هذه اللا-سينوغرافيا بكامل عناصرها غير المترابطة، تقدم على أنها «معرض فني»!

«عزيزي الجنون»: حتى 24 تشرين الثاني (نوفمبر) ـــ «غاليري جانين ربيز» (الروشة) ــ للاستعلام: 03/757087 - 01/805061