إنها إذاً حكايات الحرب الأهلية اللبنانية تعود لتطفو من جديد؛ على الخشبة هذه المرة في الوقت الذي تطفو فيه على السطح محاولات لإحيائها حقيقةً على الأرض. تأتي «أبو وردة السانتا» للمخرجة والأستاذة المسرحية (في «الجامعة اللبنانية الأميركية» (LAU) عليه الخالدي واحدةً من المسرحيات التي تقارب الحدث الواقعي، مضيفة إليه تقنياتٍ مسرحية تعطيه نفحاتٍ «جمالية» ربما يحتاجها عملٌ يروي أحداثاً قاسيةً كالحرب.


«المسرحية قائمة على تقنية المسرح الانغماسي (immersive theater) فتجعل الجمهور يشارك في العمل عبر طريقةٍ معيّنة» تشير عليه الخالدي في حديثنا معها. لكن لماذا الحرب الأهلية؟ «ربما لأنني من جيل الحرب. كنت أبلغ 12 عاماً حين اشتعلت. وعندما انتهت، كنت في الثلاثين أي أن كل شبابي انقضى في الحرب. عندما يكون الشخص خريج الحرب اللبنانية، فهذا يعني أن الحرب تجري في شرايينه. لماذا أقول خريجة حرب؟ لأني عندما عدت إلى لبنان بعد انتهاء دراستي في لندن عام 1993، تفاجأت وصُدمت أن هناك إشارات سير. صرت أتساءل أنني حقاً سأقف عند الإشارة؟ هكذا كان عقلي مبرمجاً، ربما ناسبتني الفوضى مع أني لم أحمل السلاح ولا دخلت في تنظيمات. كانت القضية الفلسطينية مهمة عندنا وإسرائيل كانت ولا تزال عدواً مطلقاً. إلا أنني كنت معارضة بشدة للحرب الأهلية».
نصياً، اعتمدت الخالدي على نصين لألفريد فرج الأول هما «الشخص» و«عودة الأرض» لتعود وتتعاون مع الممثلة الشابة هبة سليمان التي حولت العمل «درامياً» (دراماتولوجيا)، لكن لماذا اختارت مسرحاً غير مألوف محلياً مثل «المسرح الإنغماسي»؟ «في البداية، أخذت نصاً لألفرد فرج اسمه «الشخص». بعدما تمعنت وقرأته مرات عدة، اكتشفت أن لديه طابعاً وجودياً كبيراً. وأنا أعمل كثيراً على الواقعية. هذا النوع من المسرح أصبح شائعاً جداً في الغرب. لم يعد الجمهور يجلس طوال الوقت. أصبح يخوض رحلة. شاهدت مسرحية في لندن من هذا النوع. أعجبت بها كثيراً وسكنتني فكرة هذا النوع. الفرقة التي تقدم عروضاً من هذا النوع في بريطانيا اسمها Punch Dunk. هي غير مشهورة كثيراً ولا تسمع بها في كل مكان. هي تعمل بهدوء. شاهدت المسرحية وأحببتها كثيراً وعلقت في ذهني. قلت إنني يجب أن أطبقها على الحرب اللبنانية». السؤال الأهم الذي يمكن طرحه هنا هو: هل كتبت الخالدي ذكرياتها الخاصة في المسرحية، خصوصاً أنها أشارت إلى أنَّها من جيل الحرب التي أثّرت بها كثيراً؟ تجيبنا مخرجة «عنبرة» (الأخبار 19/4/2016): «معظم المشاهد في المسرحية هي من حياتي الشخصية.


سيقسم الجمهور إلى مجموعات تتحرك بطريقة وأجواء معينة
كنت أنظر منذ ثلاثة أيام إلى دفتر يومياتي الذي كنت أكتبه وقت الحرب. فتحت صفحة عشوائية فوجدتها من عام 1976 حين كان عمري 13 عاماً. كنت أقف مع أبي أمام الشرفة وسمعنا صوتاً قوياً فجأة. الصوت كان نتيجة رصاصة اصطدمت بحافة الشباك الذي كنا نقف أمامه. فتحت ورقة أخرى من عام 1983 كان لدي صديق أصيب سابقاً في الحرب، ومنزلي كان في الطابق الثالث. لم يكن يستطيع أن يصعد لزيارتنا، فكنت ألتقيه في الشارع تحت المنزل أو في المقهى. يومها وقعت رصاصة على الأرض فيما بيننا. لماذا أتحدث عنهم؟ لأني لو لم أفتح الدفتر ما كنت لأتذكرهم. «فظيعة الذاكرة» كم يستطيع الشخص أن ينسى بإرادته ويتذكر بإرادته. أنا عندي نظرية أن اللبنانيين نسوا بإرادتهم. هناك أناس يحاولون التأقلم مع حياة ما بعد «التروما» Trauma. هناك طرق عدة اعتمدوها للتخلص من التروما واحدة منهم هي النسيان. هناك أشخاص يتذكرون أن سبب الحرب هو فقط حادثة البوسطة، وآخرون يقولون إن هذه الحادثة ليست تلك التي أشعلت شرارة الحرب بل قبلها. لديّ هوس في إعادة كتابة تاريخ لبنان. أشياء محددة. لا يوجد ذاكرة جماعية». المسرحية (ساعة وعشر دقائق) تضم أكثر من 36 شخصاً ومسرحياً لا تؤدى في مكانٍ واحد، تلك هي سمة المسرح الانغماسي. إذ إنها تجري عبر مبنى الصفدي بأكمله (داخل الجامعة). تعلق الخالدي: «المداخل الأربعة للمبنى ستستخدم، وسيقسم الجمهور إلى مجموعات وتتحرك هذه المجموعات بطريقةٍ وأجواءٍ معينة. الناس سيصعدون السلالم، وسيتحركون كل الوقت. يمكنهم حتى الجلوس هنا أو هناك».
باختصار، هي تجربة لمحاولة تقديم الحرب اللبنانية بطريقةٍ تختلف. طريقةٌ ربما تعيد طرح الأسئلة التي يجب مقاربتها، للوصول إلى أجوبةٍ تستطيع ربما إيقاف الآتي، أو تأجيله على الأقل، خصوصاً لأجيالٍ لا تعرف عن الحرب سوى شكل البندقية المرفوع في الصور والوجوه المبتسمة لشبابٍ يشعرون بفائض قوة. هذا ما يظهر في اسم المسرحية «أبو وردة السانتا» الذي يختصر أسماء كثيرة «لأبطال» وهميين من حرب لا منتصر فيها. تختصر المسرحية بأنّها رحلة يخوضها الجمهور مع «أربعة أشخاص، مصوّر حرب ومغنّية وصاحبة مكتبة وأستاذ جامعي حزبي، لاسترجاع ذاكرتهم. الحرب الأهلية المنسية/ المتناسية هي اليوم حرب ذو طابع طائفي أقلياتي أكثر من قبل. وكما يقول ألفريد فرج: «لبنان هو النموذج والمختبر والتجربة المعمليّة الصغيرة لما يمكن أن يحدث من المحيط إلى الخليج... فقدان الذاكرة هو وجه آخر لفقدان الإنسانية»

«أبو وردة السانتا»: 20:00 مساء اليوم حتى 3 كانون الأول (ديسمبر) ــــ الجامعة اللبنانية الأميركية LAU (بيروت ـ قريطم) ــ للاستعلام: 01/786464