في One Angry Man (واحد مأنغرة معه)، يلقي المسرحي والممثل غابريال يمين (كاتب النصّ ومخرجه)، بشكل مقصود الحيرة في عقول الحضور في «مسرح المدينة». حيرة خلطت بين الواقعي والمتخيل، بين السيرة الذاتية للبطل (ماريو باسيل)، والنقد الموجه لأصحاب الكار. حيرة أراد بها أن «يغامر» بباسيل على هذا المسرح، ويتحدى به مطلقي السهام عليه، ليثبت لهم أنّ لديه طاقة يريد اليوم تقديمها على مسرح مختلف، عما عرف به في مسرح «الشانسونييه»، والـ «ستاند - آب» كوميدي.


على مدى ساعة وربع تقريباً، يقف باسيل برفقة 3 ممثلين (سيرجيو كوليانا، يارا خوام، وتينا عبيد) للمرة الأولى على خشبة «مسرح المدينة»، ليجيب الجمهور عن سؤال: «ليه أنا هون ع مسرح المدينة؟». يخلص إلى أنّ لا فرق بين هذا المسرح، والفضاءات الأخرى، التي أدى عليها طيلة سنوات «الكوميدي نايت»، سوى «خشبة». السؤال الذي يشكل العامود الفقري في «وان أنغري مان»، عمد يمين، الى طرحه، لينتقد من خلاله، تقسيم أنواع المسارح في لبنان بين «ثقافي نخبوي» و«تجاري». في حديث مع «الأخبار»، يبدو يمين، ناقماً على من وصفهم في المسرحية بـ «الله تبع المسرح»، أي تلك النخبة التي تمتلك ـــ حسب وصفه ــــ «رأساً»، و«هرّبت» الناس من ارتياد المسرح، لأنها ألحقت مباشرة بـ «وجعة الراس».
يسرد لنا يمين أنّه أراد جمع هذين المفهومين من المسرح، عبر ماريو باسيل، وإجراء هذا التبادل، منطلقاً من منصة عريقة لطالما عرفت باحتضانها أهم الأعمال المسرحية في لبنان.


تصفيق حار من الجمهور، وابتسامة راضية من البطل
وإذا وضعنا جانباً، قضية و/أو أزمة المسرح في لبنان، الاقتصادية أولاً، وإقفال المسارح العريقة، ينحو الكاتب والمخرج اللبناني، إلى دق ناقوس الخطر. أراد أن يلفت الى أزمة أخرى تتمثل، في قرار الجمهور بالامتناع عن مشاهدة الإنتاجات المسرحية. «المسرح عم ينازع»، يقول لنا يمين، والسبب «نحن أصحاب المهنة عم نهرّب الناس»، عبر المسرح النخبوي، الذي يلقي بثقله في بحر من «التحليلات الفلسفية» و«التسميات»، وتعمّد بث «مواعظ ودروس أخلاقية». هذا ما ظهر في العمل من خلال استحضار شخصية المعلّم والمنظر الروسي ستانيسلافسكي، وحواره (مواجهته) مع باسيل، واتهامه للأخير بأنه «شوّه المسرح»، واستخدم المرأة فيه «كسلعة». رد باسيل عليه بأنه أراد فقط «إضحاك الناس»، وجلبهم اليه، خاصة أولئك المقاطعين لارتياد هذه الخشبة.
كل هذا المسار الذي يسلكه المسرح «النخبوي»، قرر يمين مواجهته على ما يبدو، من خلال النوع الذي يدأب على طرحه أخيراً عبر «واحد مأنغرة معه»، ليكون على مساحة واحدة من الجمهور، ويتبادل معه «الأحاسيس والتفاعل» كما يقول لنا.
إذاً، شخصية جديدة، أراد الممثل الكوميدي تقديمها، وتحدي قدراته على مسرح مختلف، قولبها يمين، لتضحي on Angry man، ضمن سينوغرافيا بسيطة، لم تتعد وجود حرف «M» كمجسم في الخلفية. عبر هذا الحرف، ينطلق باسيل الى حياته الخاصة والحميمة، وصولاً الى حياته المهنية. في البداية، يقف في مواجهة جمهور جديد، يلقي بصراعه الداخلي الى العلن، بدءاً من النشأة، ومحاولة فرض والده مهنة الهندسة عليه، مروراً بحيّز تعاطيه مع المرأة منذ الصغر، وهذه الشهوانية الملتصقة به، وصولاً الى أحوال المهنة، ودفاعه عما كان يقدمه في السابق. هي لعبة مزجت بين وضع أحكام المجتمع والنقاد على حد سواء، والرد عليها، وبين حيّز شخصي يتداخل فيه المجتمع عبر بوابة المرأة، التي أفرد لها حيّزاً في العمل.
المرأة حضرت عبر الممثلتين يارا خوام وتينا عبيد (بأدوار مختلفة ومتنوعة)، كأم، وبائعة هوى، وحبيبة، ومتحولة جنسية. أخرجت علاقة باسيل بها، وصراعه معها، وصراعها هي معه أو كرجل في المطلق. بين فشل باسيل الرجل في علاقته مع المرأة، ورغبته الجادة في تكوين أسرة وإنجاب الأطفال، وبين مقارعته لهذا المفهوم الذي «يخنق»، وتهرّبه مراراً من النساء، وشكواهن بأنه يحرمهن فرصة الإنجاب... كوميديا سوداء عصفت في «مسرح المدينة»، تطايرت أفكارها وسهامها من كل حدب وصوب. نجح غابريال يمين، ومعه باسيل، في استيلاد الشخصية الغاضبة من كل ما يحيط بها اجتماعياً وقيمياً، وتقديمها ضمن قالب يحتاج الى جهد في الأداء والاستعراض (تضمن العمل بعض الأغاني الأجنبية والرقصات (تصميم مازن كيوان). صمد باسيل، طيلة ساعة وربع تقريباً، على خشبة جديدة، وجمهور مختلف عن خطه المسرحي، ينتظر منه تجسيد «وان أنغري مان»، ويضع هذا الأداء على المشرحة، لتكون النتيجة في نهاية العرض: تصفيق حار من الجمهور، وابتسامة راضية من البطل وصنّاع العمل.

One Angry Man: 20:30 حتى 10 كانون الأوّل (ديسمبر) ــ «مسرح المدينة» (الحمرا ــ بيروت) – للاستعلام:01/753010