في شتاء 1979، بحدود السابعة ليلاً، رأيت صباح أول مرة. كانت تقف في مدخل مبنى التلفزيون المصري، مع فرقة موسيقية. ملابسها شتائية أنيقة على أحدث طرز الموضة. سنها ضاحك ونظراتها ترحب بمن حولها. وبالطبع، كانت «السوبر ستار» الجميلة تعرف أن العيون تحدق بها بشغف وانبهار. لذلك كانت مبتسمة. كنت أرقبها، وأنا أقارن بين المرأة الواقعية الماثلة أمام عيني، وبين صورتها كما انطبعت في ذاكرتي من أفلام الأبيض والأسود، ولاحظت أنها تبدو نحيلة على عكس صورتها في الأفلام، حين كانت امرأة عصرية أنيقة مدلّه، لكنها مع ذلك شرقية. كانت كما تقول «كريمة» في فيلم «شارع الحب» تملك أسلحة «ذرية»، لن يملك البطل- عبد الحليم حافظ- أمامها غير التسليم. وهي تشير بالطبع إلى مناطق انوثتها الباذخة. بعبارة أخرى، كانت امرأة «الحداثة» الشرقية: جسد قوي بض فضلاً عن رشاقته فخور بـ «شرقيته»، مستعرض لها.

على مدى سنوات، أنتجت صباح لنفسها صورة محددة. المرأة الحسناء الأنيقة الفاتكة، ذات الصوت القوي الرنان الذي لا يحتاج إلى عنت أو جهد حين «يصدح». ينتشر ويملأ الفضاء، صوت كأنه تخلى عن أصول صنعة الغناء المستقرة، لقوته وعفويته وخصوصيته. صوت قوي منطلق لكنه أنيق مع وجه «صبوح» عذب يسرف في التعبير عن الداخل، فالانفعالات تبرق وتومض وتتسارع من دون جهد أو افتعال. وجه يلعب معك ويدعوك ويباغتك.
ذلك واضح حين تقترب منه الكاميرا في لقطة «زووم» وتركز على الملامح في فرادتها. وأشير هنا إلى تركيز الكاميرا على تعبيرات وجهها في فيديو أغنية «الوطن الأكبر»، وفي كثير من أفلامها مثل «العتبة الخضراء» وأغاني فيلم «الأيدي الناعمة»، وبخاصة أغنية «الدوامة» وأغنية «بـ فتحة با»، وفي معظم أغانيها الجريئة التي لحنها بليغ حمدي باحتفالية موسيقاه، وجمله المباغتة. هذا هو امتياز صباح، جمال الصوت والصورة والانفعال، وجه تنجذب إليه الكاميرا وعيون الناس، وصوت «جبلي» منطلق، فيه نزق وطيش. ولحسن الحظ، توافق هذا مع صعود السينما وتحولها إلى فن أول بحيث أصبحت غذاء يومياً للناس في الإقليم، أو على الأقل للكتل الاجتماعية الأكثر استهلاكاً للفن مع هيمنة ايديولوجيا التحرر الوطني التي أحسنت استثمار أدوات الميديا: السينما، الراديو، الصحافة وحتى التلفزيون. ما حققته صباح، ومن قبلها ليلى مراد، وثيق الصلة بالسينما، بتضافر الصوت وحركة الجسد وتعبيرات الوجه لإنتاج معنى بعينه، وتأثير بعينه.


رحلة كرنفالية صاخبة
في الحياة والفن معاً
قبل صباح، وفدت إلى القاهرة سعاد محمد ونجاح سلام، وقبلهما نور الهدى، ولكن مع صباح اختلف الأمر. كانت أصواتهن جميلة، وعملن أيضاً في السينما، لكن صباح منحت هبة الأنوثة وقوة الصوت وعذوبته وقدرته على التلون والايحاء والبث، مع خصيصة مهمة هي الرغبة في الاستعراض، حيث يشق الجسد القوي الفضاء، ليؤممه ويسيطر على العيون والآذان. وقد اكتملت الصورة التي رسمت كأنها حدثت دون جهد بتضاؤل المسافة بين الفن والواقع، بين المرأة الحقيقية وبين الممثلة والمغنية، أي بين صباح المرأة المحددة الواقعية وبين تبدياتها في الأغاني والأفلام؟ هذا الأمر جعل صباح ممثلة محدودة، لا تحب أن تفارق صورتها، لا تغادرها إلى صورة اخرى هي صورة الشخصية التي تلعب دورها. يتضح هذا حين نكون مع مشهد عابس أو حزين، لأن صباح الضاحكة المرحة المحبة لاستعراض المفاتن والملابس، رشيقة الحركة والإيماءة، لا ينبغي أن تكون بائسة أو مهلهلة الثياب. باختصار، نحن دائماً مع الشخص كما تم إنتاجه وصنعه لا مع شخصية في سرد درامي له علاماته وسياقاته. فقط حين تقترب الشخصية من صباح في جمالها ومرحها وحبها للحياة، نشعر أن الفنانة تحاكي الشخصية وتجسدها، ويبدو الأمر عفوياً جداً.
صورة المرأة الفاتنة الاستعراضية النهمة للحياة والمرح تجسدت في الأغاني على نحو جلي في أغانيها الرائجة «زي العسل»، «عاشقة وغلبانة» و«عدى عليا وسلم». في هذه الأغاني كلمات جريئة تتسق مع جسد المغنية وصوتها، فتخلق صورة أنثى هجّامة. وليست الصورة نتاج الكلمات أو الموسيقى أو حتى حيال المغنية فقط، ولكن أيضاً الصوت الذي وجد ضالته في الكلام والنغمة، فهو يتفجر شهوة ولذة. شيء ما كامن في هذا الصوت، في الرنين والبحة والمعدن الكاشف عن حسية مفرطة، وشبق للملموس والمادي. لذلك، لن يكون هذا الصوت الجرسي ملائماً للرومانتيكية المفرطة أو السنتمنتالية أو الميلودراما أو التطريب، أو استعراض الصنعة، لأنه صوت برغم أناقته عميق في جسدانيته. مع هذا، تأخذ صباح صورة مختلفة قليلاً عن هذه الصورة، فتبدو مغنية شرقية كلاسيكية، حيث تتحول هذه الحسية إلى عرامة في الصوت، لكن بعيداً عن النهنهة العاطفية، برغم أنها تكون بصدد تقاليد شجن، وأنا هنا اشير بالطبع إلى غنائها الفولكلوري، في العتابا والميجانا والمواويل وفي الدويتو الشهير لها مع وديع الصافي.
قد يرى البعض أن صباح لم تحسن إدارة مواهبها، لأنها أحبت الحياة بقدر حبها للفن، فمارست الفن دون خطة للإنجاز، وغنت لشعراء وموسيقيين أقل من رتبتها وشاركت في أفلام لم تضف لرصيدها شيئاً... باختصار لم تصبح مؤسسة قائمة بذاتها تدير وتخطط، لكن يبدو أن هذا كان أمراً طبيعياً ملائماً لمواهبها ومتسقاً مع رحلتها الكرنفالية الصاخبة في الحياة والفن معاً.
* شاعر وناقد مصري