في أربعينيات القرن الماضي، كانت مصر قبلة أهل الفن. كل من أراد أن يضع اسمه على خارطة العالم العربي كنجم، كان عليه الإمساك بفرصة هناك، كمن قبض على حلمه. هذا ما فعلته جانيت فغالي (10 نوفمبر 1927 - 26 نوفمبر 2014) التي صارت صباح.


لكن ماذا ستفعل هذه الصبية اليافعة لتصبح واحدة من سفيرات لبنان المعتمدات في مصر أم الدنيا؟ تعاقدت معها آسيا داغر لبطولة سلسلة أفلام بعد نجاح «القلب له واحد» (1945). لقد تم الاعتراف بها كممثلة، بشكل طغى على موهبتها الأصل، صوتها الذي كان مغموراً تحت قالب طفلة لذيذة في طريقها لتصبح انثى وشوق منتجي السينما لوجه لبناني مبهج، وجديد ليكسر غرور السابقات.
وللعجب، لقيت صباح الممثلة ترحاباً وقبولاً، في حين عدّ الكثير من النقاد صوتها مقبلات شهية مناسبة للأفلام الغنائية... مجرّد ميزة مضافة لحضورها كممثلة خفيفة الظل. وحتى مطلع الخمسينات، بقي صوت صباح مجرّد ظل لانطلاقتها في أدوار البطولة للسينما، وتريثت الإذاعات لحين الاعتراف فنياً بالمطربة صباح، الصبية التي ضاعت هويتها الفنية بين طقطوقة الفيلم الغنائي المصري، وصوتها الجبلي اللبناني.
لقد سرقت أضواء السينما صباح من الاهتمام بصناعة هالة ملائمة لموهبتها الأصل، صوتها.
في منتصف الخمسينات، صار النضوج سيد الموقف، ربما الخبرة ونصائح الأصدقاء، أو حضور ملحنين عباقرة من مصر ولبنان. وبدأت تُرسم الصورة الجديدة على خطين متوازيين. في مصر الصوت الحنون بأغنيات عاطفية، وفي لبنان حنجرة جبلية قوية قادرة على أداء أصعب المواويل. ازدواجية في شخصيتها الفنية أم ذكاء حادّ قادر على توأمة نقيضين؟ هذه كانت شحرورة لبنان وصباح مصر.
تصدرت شباك التذاكر في صالات السينما، وأسواق مبيعات الأسطوانات، لكن كيف تحظى بلقب مطربة الشرق الأولى؟ جاء الحل في حمل الأغنية اللبنانية نحو الانتشار، أصرّت على أدائها في أفلامها، على خشبات العالم من مصر الى أولمبيا باريس فأوروبا، وتكثيف ظهورها في حفلات لبنان. قصداً أم قسراً، استقرّت صباح في لبنان، فوقفت خلف الكاميرا بسلسلة أفلام لبنانية - سورية. حينها، كُشف المستور. صباح ليست ممثلة، هي محبوبة الجماهير، معشوقتها، أيقونة موضة لا تقارن، ومطربة من الطراز الرفيع، ما أن تفتح فمها حتى يصمت الجميع لينصت ويتوق للمزيد، لكنها ممثلة فاشلة. مع ذلك، تغاضى الجمهور كما المنتجون، والنقاد والجميع، فقط لأنهم يحبون رؤيتها، يعشقون حضورها وحركاتها، وضحكاتها وغمزاتها، هي التي أصبحت امرأة فياضة بالأنوثة، وفساتينها اساطير. فكيف تلفظها السينما؟!


من كانت تلك التي نثرت الحب والفرح حتى في مراسم رحيلها؟!

أخيراً، وبعدما مثلت مصر في الكثير من الفعاليات العالمية، تم الاعتراف لبنانياً بصباح. لقد دعيت الى بعلبك، هناك وتحت عنوان «الليالي اللبنانية»، وقفت الصبوحة بين أعمدة المهرجان الدولي، الأرقى والأعرق، وغنّت مع كبار نجوم لبنان، وأصبحت واحدة منهم.
في السبعينات وما بعدها، وبعد «أيام اللولو» برم الدولاب. بدأ الجمال بالذوبان، وتغيّر الصوت، واختلفت معايير السينما، وفاز الذكاء. فأعادت الصبوحة تدوير ذاتها على الساحة اللبنانية، وولدت من جديد. نجمة تعرف كيف تبقى في الطليعة رغم أنف الزمن. اختلقت حركات ملفتة للمسرح شغلت بها العين عما تسمعه الأذن. واستبدلت السينما بالبرامج التلفزيونية فاستعانت بعفويتها وصراحتها وخفة ظلها، وبقيت تخطف الأنفاس مع كل إطلالة، بشعرها الأشقر المتوهج وفساتين تليق بالصبوحة وحدها.
من كانت هذه المرأة! طيبة وحادة الذكاء، انوثتها فياضة ونكتتها حاضرة، محترفة الدبلوماسية المبطنة بصراحة فجّة. ولم تخطئ يوماً بحق أحد زملائها. لاحقتها الشائعات ومنغصات الحياة المرّة. لكنها عاشت. عاشت حياتها الشخصية في الحب والزواج حتى الثمالة. ذابت في الفن والموضة إلى أن صارت أمثولة. من كانت تلك التي نثرت الحب والفرح حتى في مراسم رحيلها؟! هل كانت تلك المرأة حقيقية أم أسطورة كتبت حكايتها في أكثر من 80 فيلماً، ما يقارب 3000 آلاف اغنية وعشرات المسرحيات الاستعراضية، وسيرة حياة.