لا مكان للكتاب في الدراما السورية اليوم. نظرة عشوائية إلى حضور ثقافة الكتاب في حياة شخوص الدراما تنبئ على الفور بأن الكتاب بضاعة كاسدة، وغير مرغوبة، وملعونة، وتالياً فإنها تغيب عن أذهان كتّاب السيناريو. المثقف في هذه الدراما قد يذهب إلى حضور حفلة موسيقية في أحسن الأحوال، لكنه لا يذهب إلى المكتبة، ولا يغامر بقراءة كتاب في مشهدٍ عابر.


الأنثى مشغولة برفوف زينتها تارةً، وبين أدوات المطبخ طوراً، أو بهاتفها المحمول. أما "الرجل السعيد"، فهو منهمك بصفقاته أو سلاحه أو خياناته المتعددة الطبقات، فيما يحضر اللابتوب كبطل أسطوري في ترميم قصص الحب الخائبة أو تعزيزها بأكاذيب لفظية للإطاحة بالخصم. هكذا استبدل الدراميون "غذاء الروح" بغذاء البطن، وتالياً فإن كتابة عبارة "صالون- داخلي/ نهاري" تعني مباشرة مائدة طعام تتحلّق حولها العائلة بتوابل من الثرثرة. أما "مطعم- داخلي/ ليلي"، فتعني إننا على موعد على العشاء، وغزل عفيف ينتهي بقصة حب عاصفة، ولن ننسى "لوكيشن القهوة" الذي يحضر بين الوجبات. الحوارات المكتوبة هنا تتعلّق بصفقات ومكائد وخيانات وغراميات حائرة. كنّا نعتب على شخوص "باب الحارة" بأنهم لا يقرؤون، لكن هذا المسلك المشين امتد إلى الأعمال المعاصرة بمجملها. الأعمال التي غرقت في جماليات "فوضى العيش"، من دون أن تشير، ولو عرضاً، إلى انحسار "الروحانيات" عن مفاصل الحياة، وأسباب انتعاش الحسّ التدميري لدى أحفاد الحضارات الألفية، رغم اكتساح رواية "قواعد العشق الأربعون" للتركية أليف شافاك مثلاً، مخيّلة بقايا الطبقة الوسطى السورية بما يشبه الهوس الجماعي (يفكّر أحدهم في اقتباسها للتلفزيون). حالات "التعفيش" طالت المكتبات المنزلية أخيراً، بدليل تراكم محتوياتها على أرصفة بيع الكتب بأثمان بخسة، لسوء حظ المعفشين الذين أتوا إلى الغنيمة متأخرين، ولم يحالفهم الحظ بعناق غسّالة كهربائية، أو مراودة شاشة بلازما، أو الالتحام بخزانة ثياب، لكن مشهداً كهذا سيبقى غائباً عن مخيّلة الدراميين بالطبع، فهو مشهد نافل ولا يستحق الالتفات إليه كحلقة إضافية في تسفيه صورة المثقف، الصورة التي اهتزّت على مراحل في الذهن الجمعي، وبدا وجود هذا المثقف في نسيج درامي ما كعاهة اجتماعية يستحسن اجتنابها. كان مهندسو ديكور الأعمال الدرامية يعتنون بوضع بعض المجلدات المذهّبة في خلفية مشهدٍ ما، يجري في صالون أو مكتب، لكنهم اليوم تخلوا عن هذا الراكور لمصلحة عناصر ترفيهية، فالكتاب صار لقيطاً، فما بالك لو أن مؤلفاً (أهبل؟) فكّر بكتابة مشهد لشخص يقرأ كتاباً في السرفيس في طريقه إلى عمله؟