بغداد | رحل محمّد مكيّة (1914 ـــ 2015)، أشهر المعماريّين في تاريخ العراق الحديث الذي ارتبط اسمه بالمحاولات الحقيقيّة للتجديد في فنّ العمارة المغيّب بين إبداعات الثقافة العراقيّة. مكية المولود وسط بغداد (محلة صبابيغ الآل بجانب الرصافة) انطفأ فجر الاثنين في أحد مستشفيات لندن بعيداً عن مدينته بغداد، التي ترك على وجهها ملامح من الجمال والأناقة العمرانيّة التي يصعب اليوم حقّاً أن نحقّق شيئاً ممّا يشبهها أو يكمل ما بدأه الروّاد قبل عقود.

إنّه من بين المنسيين من أهل هذا البلد، ولا سيما مبدعيه الكبار الذين تبدو من خلالهم صورة الراهن المعقّد أشمل وأوضح. وقد يغدو السؤال عن سرّ عدم تصدر أخبار هؤلاء للمشهد العام، مستغرباً وبعيداً عن الواقع وظروف المجتمع المشغول بأزمات معروفة، يقع الأمن في مقدمها. يحدث العام الماضي أن تحتفي بغداد وأربيل، بمئوية الرائد المعماريّ محمّد مكيّة، ويمرّ الخبر مرور الكرام في وسائل الإعلام المحليّة. مجرّد تداول صحافيّ لحيثيات ما ذكر في الاحتفاء، من دون أبعاد اجتماعيّة للحدث الذي يجدر بأهل بغداد ومبدعيها الإسهام فيه والابتهاج بمضمونه.

احتفت أمانة بغداد بالمناسبة وخرجت بتوصيات عدة، أهمّها تخصيص بيت تراثيّ لمقر “ديوان الكوفة”، حلمه الذي لم يتمكن من تحقيقه في العراق قبل عقود، وإقامة جدارية فنيّة في إحدى ساحات بغداد مخصّصة لمنجز محمّد مكيّة مع اقتراح تسمية شارع رئيسي باسمه، فضلاً عن إصدار طابع بريدي يخلّد مئويته بالتنسيق مع وزارة الاتصالات، واستحداث “جائزة محمّد مكيّة للعمارة”. وما علينا نحن سوى انتظار تحقّق ما قيل على أرض الواقع، وقد مضى عام على إعلان هذه التوصيات.
في المقابل، مُنح مكيّة في أربيل “جائزة تميّز للإنجاز المعماريّ مدى الحياة”، التي تطلق للمرّة الأولى، بدعم من مؤسّسات وجهات عدة، منها «جامعة كوفنتري» ومجلس الأعمال العراقيّ في الأردن. مؤسّس الجائزة أحمد الملاّك ذكر أثناء احتفال تسليم الجائزة أنّ «محمّد صالح مكيّة هو أوّل شخصية معماريّة عراقيّة تمنح جائزة تميّز للإنجاز المعماري مدى الحياة لنتاجاته وإسهاماته في تطوير مهنة العمارة في العراق وتأسيسه «مدرسة بغداد للعمارة» (قسم الهندسة المعماريّة في «جامعة بغداد») وتعليمه وإرشاده لأجيال من المعماريّين العراقيّين الذين أسهموا في بناء العراق”. صحيح أنّ المحتفى به غاب عن الفعاليّتين، لكنّه وجّه من محل إقامته في لندن رسالة إلى المؤتمرين في بغداد، وبعث بكلمة عبر الفيديو إلى مكرّميه في أربيل بعد تسلّمه الجائزة.
درس مكيّة العمارة في إنكلترا (جامعة ليفربول) عام 1935، وأسّس قسم الهندسة المعماريّة في كلية الهندسة في «جامعة بغداد» عام 1959، واستثمر ثقافته في صياغة تصاميم مستحدثة لجوامع ومقار مصارف ومؤسّسات رسميّة، تفرّدت برؤية بشأن تخطيط المدن المرتبط بمستوى التحضّر الذي يبدو عليه المجتمع ودولته أيضاً، فضلاً عن اهتمامه الخاص بالعمارة الإسلاميّة، موظّفاً فيها إبداعات الخط العربيّ.


أولى اهتماماً خاصاً
بالعمارة الإسلاميّة، موظّفاً فيها إبداعات الخط العربيّ

لعلّ أهمّ ما أبدعه، هو تصميم «جامع الخلفاء» في بغداد الذي كان قبلاً جزءاً من قصر الخليفة أيّام العباسيّين، فضلاً عن تصميم مستوصف في منطقة الشيخ عمر في العاصمة العراقية عام 1949، ودور الأميرات في حيّ المنصور عام 1950 التي أخذ الشارع لاحقاً اسمه منها. كما صمّم مبنى بلدية الحلة (100 كلم جنوبي بغداد) عام 1951، وبيت رئيس الوزراء العراقيّ الأسبق فاضل الجمالي (1903 - 1997)، وفندق “ريجنت بلاس” في شارع الرشيد في بغداد عام 1954، ومن ثمّ “الكلية التكنولوجية” في باب المعظم وسط العاصمة عام 1966 (كلية التربية حالياً)، ومكتبة ديوان الأوقاف العامة في بغداد عام 1967، ومبنى «مصرف الرافدين» في الكوفة (1968)، ومبنى ثانياً للمصرف نفسه في كربلاء (1968). كما تولى تصميم متحف الموصل (1968)، و«جامعة الكوفة» (1969) وقد منعه نظام البعث من إكمالها. هذا من دون أن ننسى تصاميم أخرى لجوامع ومبان في البحرين (بوابة مدينة عيسى) والكويت (المسجد الكبير) وقطر والإمارات، وعُمان (جامع قابوس الكبير)، وباكستان (جامع إسلام آباد) وجوامع في ايطاليا (جامع روما) وأميركا (تكساس).
ولنا أن نتصوّر مكانة مكيّة حين يأتي في خمسينيات القرن الماضي رموز العمارة العالميّة إلى بيته في حيّ المنصور في بغداد من أمثال الفرنسي السويسري لو كوربوزيه، والأميركي فرانك لويد رايت، والألماني والتر غروبيوس...
صحيح أنّ بعضاً من محبّي هذا المعماري الشهير أسهموا في الاحتفاء بمئويته قبل عام، لكن كان يُفترض لمناسبة مماثلة أن تكون أشمل تشترك فيها جامعته والقسم الذي أسّسه، ومعه أجيال المهندسين الذين درّسهم، وأن تملأ صوره شوارع العاصمة التي أحبّها وأبدع من أجلها، لتكون فرصة للتذكير بأنّ استعادة بغداد “الحلم” هي عبر الاحتفاء بعمارتها وباستذكار أهمّ رموزها وفنّانيها، لا بترك الشارع وفضاءاته للافتات الأحزاب واستعراضاتها.
برحيل محمّد مكيّة، يجدر بنا أن نجعل هذه المناسبة المُحزنة تأخذ بعداً اجتماعيّاً أوسع، عبر التعريف بشخصه واستعادة منجزه؛ لأنّ كثيرين اليوم من الشباب لا يعرفون من هو محمّد مكيّة. إنه أحد صنّاع جماليات العمارة لا في العراق فحسب، بل في المحيط العربيّ والعالم أيضاً.
كما يجدر أن نلتفت إلى ما قاله في كتابه “خواطر السنين” (دار الساقي ــ 2005): “قد لا تنقل الكلمات والألفاظ المكتوبة حقيقة مشاعري وما تتخيله ذاكرتي، لذا مهما سطرت من كلمات، أشهر بقصور التعبير عن حقيقة المشهد (…) مع مقارنة الواقع بالمحتمل، مقارنة بين ما هي بغداد عليه وما أنا أريدها، خالية من عشوائية البناء وسرطان العمران واستقامة الطرق”.
الآن رحل مكيّة، والسرطان قد استفحل في عمارة بغداد ومبانيها في غياب عقلية السياسيّ المسؤول الذي يفقه قيمة البناء وجماليات العمارة، في حين كانت آخر رسالة له لأهل بغداد: «أيّها الأعزاء والأحبّاء في بغداد الروح والوجدان والمعاني الكبيرة، بغداد أيّها الأحبّاء جوهرة من جواهر العصر، ربّما تمرض، وربّما تتعب وتئن. لكنّها لا تشيخ، فزمن المدن العظيمة مغاير لتفسيرنا للزمن. بغداد عزيزة وغالية عندنا، غادرناها مضطرين. عرفنا أنّ شيئاً من تراثنا علق هناك على ضفاف دجلة، في الأزقّة، في المقاهي والشناشيل والساحات. من المؤسف أنّ بغداد تتعرّض لتشويه لذاتها وصفاتها منذ عقود. من المؤسف أنّ العمارة لم تكن تفشي إلى تلك العلاقة الأصيلة مع النهر والضفة والروح الساكنة بينها. اعتنوا ببغداد لتعتني بكم، اعتنوا بالعراق الذي منحنا الكثير برغم الأوجاع”.