بعد تكريم العملاقة الراحلة سلوى روضة شقير (1916 ــ 2017)، يخطو «متحف سرسق» خطوة جديدة باتجاه الفن الاصيل والصعب. تحت عنوان «تقسيمات وألوان: تحية إلى أمين الباشا»، يوجه تحية إلى أمين الباشا (1932)، أستاذ أساتذة الفنون التشكيلية. يتضمن المعرض مجموعة من اللوحات الزيتية، واللوحات بالالوان المائية، والمعروضات المصنوعة من الخشب المطلي بالألوان، التي أُنجزت في حقبة تمتد من الستينات حتى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

هي حتماً مناسبة تاريخية للفن التشكيلي اللبناني، قبل أن تكون لشخص الفنان القدير أمين الباشا. بديهياً، اتجهنا إلى الصالة الكبرى في الطابق السفلي، (حيث القاعات المتحفيّة الكبرى).

فالمُحتفى به رمز من رموز الحركة التشكيلية اللبنانية، وأب مؤسس فيها. على يده، تتلمذ معظم فناني لبنان من الجيل الثاني. نستفسر من حرس المتحف «من هنا تكريم أمين الباشا؟» يصوب لنا الطريق: «في الطابق الاعلى». نندهش، فالطابق الاعلى هو المساحة الاصغر في المتحف. نصعد مغمورين بالدهشة والتردد، نجد الكتيب الصغير، من ثماني ورقات ضمنها صفحتا الغلاف! لكن ألا يستحق الباشا في تكريمه «كاتالوغاً» أو «مونوغرافاً»؟ نتابع طريقنا وندخل من زاوية في دهاليز التصميم الهندسي الجديد للمتحف، وها هو المعرض التكريمي! في زاوية «متحف سرسق» اليمنى: هنا، في هذه الغرفة الصغيرة ومدخلها يُكرّم الباشا.
لم تتمالك الفنانة التشكيلية القديرة التي ترافق رحلتنا إلى مكان الاحتفاء بالباشا، فتصرخ: «معقول؟ بس هلقد؟ وين التكريم؟ الاعمال؟». لقد اتت من خارج بيروت لحضور تكريم أمين الباشا. تساءلنا معها إن كان هذا فقط ما سوف نراه، خصوصاً أنّ التاريخ الفنيّ اللبناني وناسه يشهدون على غزارة انتاج الباشا الفنية. وأصدق تعبير (شهادة) على ذلك جملة بول شاوول المرجعية عنه: «قلما رأيت أو تخيّلت أمين الباشا لا يرسم. في المقهى، يرسم المقهى وناسه. في الشارع يرسم الشارع. في المرسم يرسم المرسم. ويرسم وهو جالس. يرسم وهو ماشٍ. يرسم وهو واقف. يرسم وهو يحادث. يرسم وهو يزور صديقاً. يرسم وهو مسافر. يرسم وهو مقيم. يرسم على كل شيء. على فنجان القهوة. على مناديل الورق. على أي علبة. على أي خرقة. على أي طاولة. على أي شيء... وفي أي وقت. وفي كل مكان. ربما يرسم أكثر مما يتنفس وأكثر مما يرى. وأكثر مما يلمس. رسمه يكاد يتجاوز حواسه، يصير أكثر من حاسة، وأكثر من غريزة، وأعمق من عادة...». نعم، هذا هو أمين الباشا في أذهان كل الأجيال التي عرفته. ها هي اليوم هذه الهامة الفنية الغزيرة الانتاج كالمطر، تُكرَّم بعرض بعشرات اللوحات فقط كمعرض فنان مبتدئ، وفي غرفة ومدخلها، في الزاوية اليمنى للمتحف.
الجدير ذكره هنا أنّ هذا المعرض قائم بالتعاون مع مؤسسة أمين الباشا، مما يزيح المسؤولية كلياً عن المتحف. مع ذلك، لا شيء يليق بالحدث ولا يرتقي إلى مستوى تلك الاعمال النادرة البهيّة المبهجة قلباً وقالباً بريشة ويدَي أمين الباشا. هذه الأعمال للمناسبة ربما تكون أقل عدداً مما لدى بعض المقتنين وجامعي اللوحات غير مجموعين، بل فُرادى! لذا لا بد من السؤال البديهي: لما لم تستعن المؤسسة أو المتحف مثلاً لأن يتواصل مع أحد أبرز المقتنين لأعمال الباشا، كوزير الداخلية نهاد المشنوق، للمساعدة أو الاستعارة؟ المعروف أن مجموعة المشنوق لأعمال الباشا من أهم و«أذوق» المجموعات.


لوحات تراوح بين التجريد
والمناظر، والفانتاستيك،
والدين، والموسيقى

لكن كيف يبرر المتحف هذا الشح في العرض مقابل غزارة الانتاج الباشاوي الفني؟ بحسب القييمين عليه: «ينتخب هذا المعرض من بين إنتاجه (الباشا) الغزير متعدد الخامات والموضوعات، باقة من تجاربه التي تمحورت حول أربع ثيمات رئيسية: اللوحات التجريدية والمناظر الطبيعية، الفانتاستيك، العشاء الأخير والدين، والموسيقى. ترصد تلك المواضيع تحولات مساره الفني التصاعدي من مناخات التجريد وعتبات التعبير المتحررة إلى جمالية أسلبة الألحان اللونية المرتجلة التي تؤسس لعالم جديد من التناغم في صياغة الأشكال (مناظر، طبيعة صامتة، مسرحة الرحلات والذكريات). فهو لا يرسم ما تراه العين قدر ما يرسم ما تكتشفه رغباته في وثباتها الحرة نحو فضاءات بساتين الشعر، حين يلتقي برحابة عواطفه اللونية من دون قيد. لذا تتجسد الأشياء كوجه آخر لفضاء الداخل، وهي مرصودة لمملكة الفرح ولفانتازيا السعادة. الصورة تتراكم فوق الصورة والشعور فوق الشعور. هناك نزوع دائم لتعديل مواضع الأشياء وترتيبها، لا كما هي عليه في الواقع، وإنما كما هي في الحلم. حلم اليقظة حيث «مجرى الشعور» الذي يسميه فرويد ارتداد المواد الخام في الذاكرة، ذاكرة الطفولة المبكرة».
هكذا يرى القيّمون على المعرض في حين أن أمين الباشا في إحدى المقابلات المصورة ينسف بشكل عفوي كل هذه التفسيرات الشخصية، ويختصر الكل بأمنيته الوحيدة: «أمنيتي أن تكون لوحتي بسيطة!».
عاشق الماء والموسيقى الكلاسيكية، ليس من المتفلسفين في إعطاء المعاني المضخمة للأشياء. هو أيضاً صاحب مواقف واضحة سواء اجتماعياً أو سياسياً أو حتى فنياً. وهذا ما لم يذكر اطلاقاً في سيرته التي وزعت ضمن الكاتالوغ الذي كتب بيانه الأساسي فيصل سلطان (الفنان والناقد والباحث في الفنون التشكيلية). بالمناسبة، نجد في نهاية الكتيب سيرة فيصل الحافلة بالتوازي مع سيرة الباشا!
يبقى أن أعمال الباشا المشرقة البهية لوناً، تترافق مع موهبة استثنائية في الكتابة، قل نظيرها في عالمنا الفني التشكيلي. هذا الرجل الموسوعيّ تشكيلياً، وريشةً، هو موسوعيّ حرفاً وقلماً. وهذا أيضاً لم يذكر في سيرته المصغّرة نهاية الكتيّب. نذكر مما نشر، مسرحيتا «أليس» و«المنتحر» (دار نلسن)، ثم قصة «دقات الساعة» عن الدار نفسها وصولاً إلى «شمس الليل» ثم «بيروت أمين الباشا ـ مائيات ورسوم 1953-2009» (باللغتين العربية والفرنسية) وغيرها من كتابات الباشا المؤثرة. والأهم أن كل هذه الكتابات تترافق مع رسوماته بشكل أساسي وبنيوي.
لعل أهم ما رافق الحدث «التكريمي» عملياً هو نشاط محترف/ أو مشغل (يعتمدها غالباً المتحف لتوسيع دائرة الاستقطاب)، أقيم هذه المرة مع التشكيلي اللبناني عبد القادري (1984) الحائز «جائزة متحف سرسق» في دورتها الـ32 لمعرض الخريف باستحقاق وجدارة. المشغل يتيح فرصة للهواة وغيرهم للحركة والرسم عبر الألوان المائية بشكل خاص، وفي الهواء الطلق، تأثراً أو بوحي من كتاب «بيروت أمين الباشا ـ مائيات ورسوم 1953-2009». أمين الباشا الذي رسم كل موطئ قدم له، وكانت المائيات صلاته اليومية، ينشر اليوم عبر همّة عبد القادري وموهبته الفذة، بشائر صلواته إلى الأجيال الفنية الآتية.

«تقسيمات وألوان: تحية إلى أمين الباشا»: حتى 12 آذار (مارس) ـــ «متحف سرسق» ـ للاستعلام: 01/202001