بعد ظهور حركة مقاطعة إسرائيل (BDS movement) التي نجحت بدرجات متفاوتة في فرض نوع من عزلة ثقافيّة على الكيان الصهيوني في الغرب، انقسم الفنانون تحديداً إلى فريقين: أولهما اعتبر أنّ تقديم العروض في «إسرائيل» والتغني بها معادل للغناء في دولة الفصل العنصري البائدة في جنوب إفريقيا، وأن ممارسة ضغط ثقافي عليها ربما يمثل أقل ما يمكن للتعبير عن رفض سياسات الاحتلال والاستيطان في الأراضي العربيّة المحتلّة والاعتداءات المستمرة على حقوق الإنسان.


من هذا الفريق كان بينك فلويد، وسيتفي ووندر، ولورين هيل، وبيكسيس وإلفيس كوستيو وغيرهم. لكن مجموعة أخرى تمسكت بعلاقاتها الودّية بإسرائيل وانحيازها العنصري أو الديني للدولة العبرية، فتحدّت كل الضغوط الشعبية وأصرّت على مشاركة الإسرائيليين أفراحهم، وبالذات في مواجهة توقف بعض أشهر المغنين عن تقديم أعمالهم هناك. هؤلاء كثر أيضاً، ومنهم ريهانا، ومادونا، وبريتني سبيرز وجاستين بيبر، والليدي غاغا، وبالتأكيد حبيب إسرائيل البريطاني إلتون جون (1947). رغم كل شيء، ما زال مرحّباً به في عواصم الشرق الأوسط، إذ قدم أمس حفلة في دبي، ويحلّ غداً على بيروت حيث يحيي أمسية في «فوروم دو بيروت»، ما لم تثمر الاتصالات الشعبية المكثّفة عن مقاطعة شاملة تفرض إلغاءها، لا سيّما في أجواء الصدمة الشاملة التي أصابت الشعوب العربية لدى اعتراف الولايات المتحدة الأميركية بالقدس المحتلّة عاصمة أبدية لإسرائيل.
خلال مهنته في الغناء، قدّم إلتون جون أربعة عروض في «إسرائيل»، كانت كلّها لإظهار الدعم للكيان العبري في مراحل صعبة. أول زياراته كانت في عام 1979 بعد توقيع كامب ديفيد واتفاق السلام مع مصر وقدّم خلالها حفلة لإحياء «يوم الاستقلال الإسرائيلي» أي يوم نكبة فلسطين! وقتها تبرّع بجزء من عوائد حفلته لجمعية خيريّة إسرائيلية، وقد عبّر في تصريحات منشورة عن افتخاره بمشاركة «الشعب الإسرائيلي العظيم فرحته، وإحساسه بالانتشاء من الاستقبال الهائل له من قبل الإسرائيليين». عاد جون مرة ثانية إلى «إسرائيل» في أجواء اتفاق أوسلو 1993، لكنه ألغى الحفلة، وغادر إلى لندن في اليوم التالي بعد اشتباك حرّاسه بالمصورين الصحافيين الباباراتزي على بوابة الفندق، قبل أن تمارس عليه ضغوط شديدة من السلطات الإسرائيليّة والخارجيّة البريطانيّة وأطراف أخرى، فعاد بعد يومين وقدّم حفلته! المرة الثالثة كانت في 2010 عندما قدّم حفلة في «إستاد رامات غان» (ضاحية في تل أبيب) أمام 40 ألفاً من الإسرائيليين تضامناً مع الدولة العبريّة بعد موجة غضب عالمي إثر اعتداء الجيش الإسرائيلي على «أسطول الحرية» الذي حاول خرق الحصار الخانق على غزة. اعتداء تسبّب حينها في مقتل تسعة نشطاء واعتقال آخرين ومن ثم طردهم بعد معاملة سيئة.


وعد جمهوره بأنّ «لا مقاطعة ستمنعه أبداً من العزف والغناء في إسرائيل»

المرّة الأخيرة له كانت العام الماضي عندما أصرّ على الحضور لـ «إسرائيل» وقدّم عرضاً أمام 50 ألف مشاهد في «حديقة هياركون» في تل أبيب دعماً للكيان في مواجهة جهود المقاطعة التي أدت فعلاً إلى إلغاء عروض موسيقيّة هامة لمغنين عالميين. في بداية تلك الحفلة، أدان زملاءه الذين قاطعوا إسرائيل، متهماً إياهم بالانحياز والانتقائيّة، وواعداً جمهوره بأنّ «لا مقاطعة ستمنعه أبداً من العزف والغناء في إسرائيل»، و«أنه لا يقدر إلا أن يكون مع أحبائه الإسرائيليين».
وقد أوقف جون أداءه الحماسي لأول أغنية له حققت شهرة واسعة (تلك هي أغنيتك) ليهديها إلى الكيان «تلك هي أغنيتك يا إسرائيل، هديتي أغلى أغنياتي وهي لك الليلة». ثم ترك كرسي البيانو على غير عادته، واقترب من جمهوره في لحظة عواطف فائرة، ليقول «شكراً يا تل أبيب. أي مكان أفضل منك كي أنطلق في جولتي العالميّة هذه، وأين سأجد جمهوراً أفضل من جمهورك».
جون بالطبع مغن وملحن وعازف بيانو شهير، وفي رصيده أكثر من 30 ألبوماً حقق معظمها نجاحاً تجاريّاً هائلاً، لا سيما أغنيته «شمعة في مهب الريح» (1997) التي أدّاها في تشييع الليدي ديانا وأصبحت أكثر الأغاني المنفردة مبيعاً في تاريخ الموسيقى. إذ تجاوزت مبيعاتها وقتها الـ 33 مليون نسخة. لكنّه اشتهر أيضاً بسلوكياته وتصريحاته الإشكالية بدءاً من ملابسه ونظاراته وانتهاء بمثليته المعلنة رغم أنه تزوّج ريناتي براول في بداياته. وقد تسبب في جدالات مع المسيحيين المحافظين في الولايات المتحدة عام 2010 عندما وصف المسيح بأنه «كان مثليّاً مرهف العواطف وشديد الذكاء استطاع أن يفهم المشاكل الإنسانيّة»، وقاطعته بعض المجموعات المسيحيّة هناك. لكن دافعه الأساس بقي دائماً جمع المزيد من الأموال وإنفاقها بتبذير عجيب، هو الذي عرف أنه أنفق ما يقارب 20 مليون جنيه في أقل من عامين. لذلك، رفض جون مقاطعة روسيا رغم أن بلاده كانت على رأس الحربة في التضييق على موسكو بإيعاز من الولايات المتحدة، ورغم أنّ كثيراً من النشطاء المثليين من رفاقه رجوه إلغاء جولته دعماً للمثليين الروس المضطهدين هناك.
لأسباب موضوعيّة ربما لن يكون بمقدور الجمهور في دبي أن يفعل الكثير لإسماع صوت الشعوب المقهورة في المنطقة إلى التجار الذين يستضيفون السير إلتون جون في بلادنا من خلال مواجهته بمقاطعة شاملة. لكن في ظل عجز عربي شامل عن اتخاذ إجراءات فعالة في مواجهة الاحتلال، يراهن الجميع اليوم على بيروت التي قادت جهداً عالمياً ناجحاً لمنع ومقاطعة عروض أفلام المجندة الإسرائيليّة غال غادوت. إلتون جون: لتعد خائباً.