دمشق | أقيم أخيراً في «سينما سيتي» في دمشق، عرض فيلم «حرائق» (المؤسسة العامة للسينما السورية) لمحمد عبد العزيز من بطولة: نانسي خوري، وجفرا يونس، ورنا ريشة. الشريط الذي بدأ صاحب «الرابعة بتوقيت الفردوس» إنجازه منذ 2014، جال على مجموعة مهرجانات وعاد بأكثر من جائزة منها الجائزة الذهبية لأفضل فيلم متكامل في «مهرجان روتردام» في هولندا، وجائزة لجنة التحكيم الخاصة في القاهرة.


يجرّب عبد العزيز تقديم «بورتريهات» حياتية، موغلة في الواقع وفق لغة سينمائية خاصة. يبحث عن إقناع مشاهده بأن ما يراه يتماهى إلى حدود الالتصاق بالواقع، إلى درجة أنه يستعين بامرأة عادية لم يسبق لها أن مثّلت من قبل ويسند لها دوراً رئيسياً في فيلمه. يلاحق «حرائق» مصائر نساء يعشن الحرب في سوريا، وفق آلية بصرية وحكائية تعتمدها السينما الإيرانية غالباً، بالاتكاء على البعد الإنساني والعمق الحياتي الواقعي، بعيداً عن الحبكة التقليدية والتصاعد الدرامي المعتاد لأي رواية سينمائية. لكن تعوّض عن غياب الحدث والحبكة عادة، براعة أدائية، وضبط تقني صارم، ومواقع تصوير ساحرة، وذكاء إخراجي بإمتاع المشاهد والامساك به، وتكثيف مشاهد إنسانية رشيقة، وإيهام المتلقي بأن إثارة المفاجآت قادمة إليه، وهو ما غاب بمعظمه عن «حرائق» الذي ينطلق من خلال واقع صبية تعمل في مدجنة (نانسي خوري) مع عائلتها، تجرّب والدتها تزويجها برجل مرتاح مادياً، لكنها ترفض... إلى أن يأتي ابن خالتها ويخطفها على دراجته النارية ويتزوجها في «سينما السفراء» حيث تقيم عائلته ومجموعة من العائلات المهجرة. يبدو أنهم العاملون في السينما بعد إغلاقها. الشاب الباحث عن فرصة للهجرة غير الشرعية، ينتهي به المطاف عاملاً في المدجنة مع زوجته. يحرق خرائط السفر مع بقايا الدجاج الميّت. كذلك نشاهد امرأة خرجت لتوّها من السجن (رنا ريشة) لكنها تظل ملاحقة من عائلتها التي تريد قتلها، تتوه في الهرب حتى تمر بالسينما ذاتها، وتتصل بأختها لتلتقي بابنها. في السياق ذاته يحكي الشريط قصة متطوعة بالهلال الأحمر (جفرا يونس) التي تجد نفسها أمام السؤال المكرر آلاف المرات بعدما تحمل من خطيبها الفنان التشكيلي الغارق بألوانه الحمراء القانية. كيف يمكن الإنجاب في بلد تلتهما الحرائق، دون أن يكون لديها أي نية أو رغبة بالسفر؟ ثم نصل لامرأة قُتل طفلاها بغارات طيران، فاستثمرت حادثتها الجماعات الإرهابية وقررت أن تحولها لانتحارية تفجّر نفسها في «المركز الثقاقي الروسي» بجانب «سينما السفراء»، في لحظة ذروة نادرة هي الأكثر صدقاً وتشويقاً في الفيلم، يصادف فيها تواجد غالبية أبطال الفيلم في السينما. لكن في الوقت بدل الضائع، تتراجع المرأة بعد أن ترى وجوه الناس المتعبة المارّة في الشارع، وتهرب لتختبئ في بناء جديد خال من السكان، قبل أن تفجر حزامها ببقية أفراد العصابة الذين يلاحقونها، وتنجو وحدها بطريقة تشبه النهايات السعيدة لأفلام الكرتون.
لا تسعف المقدرات الأدائية غالبية أبطال الشريط، ولا تخوّلهم ترك الدهشة على وجوه المشاهدين، نتابع مثلاً صيغة ادعائية مبالغة لدى خوري عندما تقرر حرق نفسها، ثم خجلاً واضحاً لدى الممثلين عند تنفيذ مشاهد الحب. إضافة إلى ذلك، يقحم الشريط إدعاءات وحوارات لا تشبه شخوص العمل، ولا البناء الحياتي للفيلم. بعد لحظة ممارستها الجنس مع حبيبتها، تحكي الصبية عن تربية الصيصان، وعن صوت الضوضاء الذي يحدثه العاملون في المداجن. كي لا تموت، تلم الصيصان. وفيما تحضر متطوعة الهلال الأحمر بروفة عرض مسرحي تديره والدتها في «مسرح القباني»، نتابع مشهداً مسرحياً للممثل طارق عبده بلا أي مبرر ولا أي سبب مقنع سوى أن تمر البطلة، بالقرب من «المركز الثقافي الروسي» عندما كان مقرراً للتفجير الإرهابي أن يحصل. الفنان التشكيلي لو غاب كلياً ربما، لما أثّر ذلك على سياق الفيلم، خاصة أن كل حركاته في ضرب الألوان في مرسمه، ثم سكبها على نفسه غير مجدية، أو ممتعة، أو موظفة بشكل صحيح. يمكن لمخرج الفيلم اختصار أكثر من نصف وقت ما قدّمه، دون أن يصاب المتلقي بحالة الملل، ودون أن ينقص ذلك من قيمة وأهمية ما شاهدناه.