شهادات | الصديق حتى آخر رمق، الضاحك حتى انهمار الدمع، المتثاقل على أوجاعه في أيامه الأخيرة حاملاً طرائفه إلى المقهى كي لا يختل ميزان الإمتاع والمؤانسة، أو يكفهرّ وجه المدينة، وقبل ذلك وكل ذلك الشاعر سلوكاً وممارسة ونمط حياة، ثم الشاعر كلمةً وقصيدةً وأغنيةً وقهقهةً مجلجلة صاعدة من مقاهي الحمرا إلى فضاء العاصمة التي أسماها «عنقود الضيع».


وَمَن مِنّا يخال بيروت لعقود خلت بلا عصام العبدالله، وبلا جيل من شعراء الأرياف اللبنانية ساهم (مع آخرين) في صناعة عصبها الإبداعي إلى جانب المفتونين بها من مبدعي العرب أجمعين، وجلّهم يعرفون أن في زواية ما من مقاهيها الكثيرة ثمة شاعر يروي القصص والحكايات وينثر الكثير من القصائد والضحك والصداقات المفتوحة حتى للمارة وعابري السبيل.
كأن هتافاته في تظاهراتها العتيقة لا تزال مسموعة حتى الآن، من زمن الستينات والسبعينات والأحلام المستحيلة التي أكل الآباء حصرمها فضرسوا والأبناء معاً. كأن قصيدته ما هي سوى امتداد لتلك الهتافات الحماسية ولكن بنبرة خافتة وأحلام أقل، وبصور شعرية مقطوفة من خياله الواسع وجموحه الدائم كحصان غير مروَّض، وببراعة في توظيف العادي من الكلام ورفعه إلى مرتبة القصيدة يصوغها ذهباً في مملكة المحكية التي كان يأسفه أن البعض منا يعاملها مثل بنت الجارية في حضرة بنت الست: الفصحى. «نأتي إلى المقهى لنلعب بالكلام»، والكلام له. حكواتي هو، مسرحه المقهى البيروتي في أزمنته المختلفة وتحولاته «المأسوية». فكم شهد فارس الكلام ذبولَ أمكنة، وإقفالَ مقاهٍ عرفته نديماً يومياً، لا يكلّ ولا يملّ من الحكي والضحك، تتحلق حوله جوقة من الأصدقاء والمريدين، ينتقلون معه من «خشبة» مقهى إلى أخرى، بحثاً عن مكان يتسع لكل هذا الضحك، لكل هؤلاء الحواريين. وكأني به كان يخسر بعضاً من عمره وشغفه بالحياة كلما أقفل أو أقفر حيّز من فضاء بيروت التي ما فقد إيمانه بها لحظة وفي أحلك الأوقات وأحرجها. فإذا سألته عن حالها في عزّ الأزمة يجيب بعزم وثقة: قمر، بلدنا مثل القمر.
قمر القصيدة أقلّ بلا عصام، المدينة أقلّ، والضحكة أقلّ. ولئن أوصانا بالضحك حتى الثمالة، فإن الدمع يليق به أيضاً، مثلما يليق به الحُبّ الكثير.
يحزنني أكثر أن يحزم عصام ضحكاته وحكاياه، وأن يطفئ قمرَ أمسياته ويترك بيروت التي جمعتنا وعمدت صداقتنا بالشدائد والمِحن، بالقصائد والشجن، بالطرائف والمسرّات الصغيرة، فيما أنا بعيدٌ على سفر، ويعزيني أن دمعتي تصير كلمة ترفرف في وداعِهِ شاعرَ لمعةٍ وضّاءةٍ كالبرق وصديقَ عمرٍ بنكهةٍ أبوية دافئة حنونة. ففي قلب صخرة العمر الصلدة القاسية ينابيع حُبّ ومياه رقراقة عذبة تنبجس من قلب رجل ما أراد من دنياه سوى ملاعبتها... بالشِّعر وبالضحكات.
كلمتي دامعة أبا حازم وقلبي بئر أسى.
(من مسقط)