لا أحد يرشّ الماء خلفك حين يعلن أنّه سيضمك الى رمادي أكوانه. هو فقط "يمسح ما تبقى من الحكاية عن زجاج الغد"، ويكتب "توقاً لا يشبه التوق لأن باب الرجاءات هنا مغلقة".

أقف الآن أمام المفردة: "غياب" كأني أخبئ القلب بحرش شوكي في عاصف ريح. كم تبدو المفردة حادة ومسننة. جارحة كما صمت ميت لسؤال يلح.

غد بارد وأمس حافل، ولا شيء سوى باب مطر يقف صامتاً خارج زجاج المقهى. يتأمل كرسياً لا يتلون. لا شيء سوى "خلص الحكي". أرصفة ستنتظر طويلاً خطوة صلدة لشاعر لا يمرّ لأن أرملة الغيمة فكرت بإنجاب مطر، فسرقته الريح من سريره، لتقر به عصافير السموات الزرق، وحدائقها الفضية اللينة.
"الخرز اللي متل نسوان
يتخبا
جاي العقيق معتق وحليان
من كتر ما تربى"
لكن هل ستدون الريح قصائده! هل سيكتب القمر ضحكته الهائجة كرائحة عرق بلدي؟ هل ستوقظه نجمة في صباح الجمعة لتصحبه لحوار وثرثرات وسجال وضحكة؟ هذا الذي يطل على النهار من شبابيك الصحف والكتب وبن فيروز في غنج الفنجان. كيف سيقود حدائق الكلمة في الهناك! كيف سيحمل عصاته الخضراء حالماً بأن ينجو من "السلف الصالح للقصيدة" ليكتب حريته دون أن تتمزق ثيابه وهو يحاول المرور الى فرادته.
غاب هذا "الحكوجي" سليل المفتي وساحات الضيعة الذي كان "يربي الوقت مع رفقاته في المقاهي"، هذا الذي "حوّل المقهى الى ساحة ضيعه" وأطلق ضحكته اليانعة خارج أحكام الذوق العام. هذا "المكسور الخاطر" لأن المتنبي لم يشاركه فنجان البن، ولأن الرحابنة أقلعوا قبله الى سماء الفراديس.
مضى عصام العبد الله الى ما كان يحلم به "البياض الكامل". ذهب مسرعاً خوفاً من أن يذبل كما قبائل قصيدته: "شايف قبايل نطروها بالشمس... ذبلت".
مضى حاملاً الشعر لأنه كما يعتقد "خشبة الخلاص الوحيدة". الحرية هي اعتناق العصا الخضراء. صقلها بمهل نجار عجوز، لتكون جاهزة للسفر الأخير. الرحيل بكرامة. ذاك هو حلم الشعراء.
"يا وجود كريم يا بلا" هكذا كان يضحك بوجه الذل ويجلجل صوته مشاغباً الفذلكة والعناوين الفارغة، وأخشاب الشعر الزائدة. إنه لم يرحل. أدرك تماماً أنّ عصام العبدالله لم يفعلها. هو فقط لبس "البياض الكامل" حتى صار لامرئياً.
لذا لن استغرب إن سمعنا صوته يوقظ جملة من عثراته، ويعنف قصيدة لأن كعبها العالي لا يليق بالفقر. ولن استغرب إن جاءت الجمعة لتضع فنجانه أمامنا "بالضحكة السادة" وبالنزاع البلاغي. وبالسخرية من جملة عبثية قفزت بغتة الى فم سياسي. لا توقظوا عصام العبدالله. هو يتأمل أفق الحكي ليسقي اعوجاج الزمن بمطر الشعر.
"بحبك مثل نزل الشتي عليي". يا للغياب... أيها الغد لا تتحدث بصوت عال إنّ عصام سيأتي.