إنها «حكايا الغرباء» حتى لو كانت تقرأ (أو تشاهد في حالتنا هذه) في بلدهم الأم، لكنهم مع ذلك، يظلّون غرباء في كل شيء ويطلّون عبر رسائل بعيدة من بلاد بعيدةً أكثر. التجمّع الإعلامي «سمر» (SAMAR) خاض أخيراً تجربةً بصرية جيدة من خلال إطلاق web series مؤلفة من 7 أجزاء تعكس «حكايا» مجموعةٍ من اللبنانيين الذين يعيشون في غرب أفريقيا (ساحل العاج والسنغال) تحت مسمى The Lebanese of West Africa (أو لبنانيو غرب أفريقيا). إنها محاولة لردم الهوة وكسر التنميط الثقافي الذي يعرّف شعباً بكامله بصفات قد لا يمتلكه إلا قلةٌ من أفراده.


يأتي هذا العمل ضمن مشروع Samar (الموقع الإلكتروني samarmedia.tv) الذي تتولاه مجموعة من الشبان الناشطين في مجالات عدة، ويرمي إلى نشر الثقافة عبر الإعلام البديل (مواقع التواصل والانترنت) وبالتبادل الثقافي المفتوح من دون قيود. وأهم ما يريدون إيصاله أنّهم لا يؤمنون بنظرية الإعلام القديمة القائمة على مبدأ «من الأعلى إلى الأسفل» بل إنّ الجميع يتواصل مع الجميع من دون حدود. في هذه الحلقات، نتعرف إلى اللبناني الذي ليس برحالةٍ دائماً. هو لا يريد أن يرحل طوال الوقت، «فمتى شاهدت هذه البلاد لا يمكنك أن تتركها. لقد قضيت أكثر من 60 عاماً هنا، ولا أريد الرحيل»، يقول جوزيف خوري الطبيب الجراح ورئيس غرفة التجارة والاقتصاد اللبنانية في ساحل العاج. أصبح اللبنانيون جزءاً لا يتجزأ من المكان، «إننا موجودون هنا قبل قرنٍ تقريباً، لدينا جيلٌ رابعٌ الآن من اللبنانيين في ساحل العاج». يعرف خوري تاريخ اللبنانيين جيداً في ساحل العاج، يشرحه بوضوح وكيف أنهم متوسطون بين الأفارقة والفرنسيين.
بدوره، يقارب محمد اللقيس جانباً آخر من المسألة «عندما زرت لبنان للمرة الأولى، كنت في الثلاثين من عمري، كان شعوراً لا يوصف». يوضح اللقيس المقيم في أبيدجان بأنه «يواجه مشكلة حقيقية في مسألة الانتماء، فهو هو إيفواري؟ أم أنه لبناني؟». بحسب «الطباع واللكنة، فأنا بالتأكيد لبناني، يمكنني أن ألاحظ ذلك». هو يعرّف عن نفسه بأنه «لبناني الأصل، إيفواري بالتبنّي». أتى والد اللقيس إلى ساحل العاج عام 1965، أما والدته –اللبنانية هي الأخرى- فقد ولدت في ساحل العاج.
«الشعب الأفريقي أحسن من الشعب العربي بألفين مرة»، تبدأ الحاجة زهراء مروة (تعمل في التجارة مع زوجها في السنغال) شهادتها هكذا، مؤكدةً أن السنغاليين لا يفرّقون أبداً بحسب الأديان. تبدو زهراء نجمة الفيديوهات السبعة التي تشكّل الـ web series. تتحدّث العربية بطلاقة كما الفرنسية الموشاة باللبنانية. ربما هو إصرارها على الحديث بالعربية، أو حديثها بوضوح عن دور المرأة، وتطبيقها للأمر على الأرض ضمن صورة المرأة الجنوبية التي تساعد زوجها وتصبح جزءاً من مشروعه الذي يصبح مشروعها تالياً. «كانوا يقصدونني من جميع أنحاء البلاد، زهرا وزهرا، يقولوا لما بدهُم أيّ شي يقولوا زهرا».


كسرت الحلقات الصور النمطية عن هؤلاء، من خلال الإضاءة على يومياتهم وحياتهم
هي أتت إلى السنغال مع شقيقتها وكانتا من أوائل المهاجرين إلى تلك البلاد، تروي حكاياتٍ لها مع رئيس البلاد الشاعر الراحل ليوبولد سنغور، فتبدو لغتها البسيطة العفوية أحلى ما في السلسلة.
أما وزير الثروة السمكية والشؤون البحرية السنغالي (اللبناني الأصل) حيدر العلي، فيطلّ في السلسلة شارحاً السبب الأساسي لقدوم اللبنانيين إلى ساحل العاج. «لقد احتاج الفرنسيون إلى وسيط بينهما وبين السكان المحليين للبلاد، فكنا نحنُ. أنا لا أندم على ذلك مطلقاً، كنت أستطيع أن أكون طفلاً ذهبياً في وول ستريت، لكنني اخترت أن أكون عالماً بيئياً في أفريقياً، أنا أسعد رجل في العالم». الوزير الذي ولد في السنغال، ينتمي إليها أكثر من انتمائه إلى بلاده الأم، ما يستدعي سؤالاً: هل ينتمي اللبنانيون إلى أوطانهم البديلة؟ يبدو أن إجابة العلي واضحةٌ في هذا الشأن. يتحدّث كثيراً عن تلك البلاد وحياتها البحرية أكثر من حديثه عن لبنان، يهتم بها لأنها وطنه قبل أيّ شيءٍ آخر. «كنت وزيراً للجمهورية، ثم البيئة، ثم التنمية المستدامة، واليوم أنا وزير الثروة السمكية والشؤون البحرية».
لينا الحسيني، المولودة في داكار عاصمة السنغال، وصاحبة «دار أثينا» لطباعة الكتب، تتناول الأمر من جانبٍ آخر. إنه الجانب الثقافي الذي يجعل الانتماء خارجاً عن المعتاد. لا تتحدّث كثيراً عن لبنان رغم أنها تشير إلى أنها «تؤمن بالأخوّة بين اللبنانيين والسنغاليين». لكنها تحكي عن تجربتها هناك، تقرأ شيئاً من الكتب التي تطبعها الدار التي تمتلكها، تحكي عن لبنان، لكنه يبدو بعيداً بعض الشيء. تبدو السيدة سنغالية أكثر منها لبنانية.
يجلب نبيل زرقط، الذي يعمل مصوّراً في ساحل العاج، شيئاً من روحٍ مختلفةٍ إلى السلسلة، هو مباشرٌ إلى حدٍ كبير. لا يبدو أنه يهتم بالسياسة وبتجميل الأمور. «اللبنانيون ليسوا كلّهم أغنياء هنا، ويمكنني القول بأنّ 80 في المئة منهم هم من الطبقة الوسطى لا أكثر أو ربما أقل». أما ياسمين عجمي، فتتحدث بطريقةٍ دبلوماسية على غرار عملها في ساحل العاج. هي تمتلك شركة للدعاية والإعلان تدعى «فيتامين». تحكي السيدة التي تعيش في أبيدجان عن الحلم الأفريقي، وكيف أنه ليس كما يعتقده كثيرون، فساحل العاج دولة ثرية ومضيافة، لكن الأوضاع الأمنية هي المشكلة منذ عام 2000. في المحصلة، كسر «لبنانيو غرب أفريقيا» الصور النمطية عن هؤلاء، من خلال الإضاءة على يومياتهم وحياتهم، مبرزاً الغنى والتنوّع في الجالية اللبنانية هناك.