المسلسل الإسرائيلي الذي بدأ بطريقة متعثرة في الانتشار حين لم يجد كاتباه، الصحافي الإسرائيلي آفي عيسى شاروف والجندي الإسرائيلي السابق ليور راز شركة إنتاج لاحتضان العمل الذي شارك راز في لعب دور البطولة فيه، ليس إلا «فوضى». فوضى في المعلومات وفوضى في الأفكار، لا بل إنّه يتخطى الفوضى في الكثير من الأحيان ليصبح «كذبة».


مسلسل «فوضى» من إنتاج شركة Yes الإسرائيلية، وقد لفت أنظار «نتفليكس» التي اشترت حقوق العرض، ليخرج العمل بذلك من نطاق مشاهدي القنوات العبرية في الأراضي المحتلة من إسرائيليين وفلسطينيين، ويصل إلى العرب عبر الشبكة الأميركية الشهيرة المتخصصة في إنتاج وبث المحتوى الترفيهي عبر الإنترنت المتوافرة في البلدان العربية منذ بداية عام 2016، وإلى الغرب طبعاً.
المسلسل الذي أبصر النور في شباط (فبراير) 2015 ووصل إلى «نتفليكس» في نهاية 2016، وناطق بالعربية (أكثر من 45 في المئة من محتواه) والعبرية، يسلّط الضوء من وجهة نظر أحادية ــ إسرائيلية بالطبع ــ على الصراع القائم في نابلس ورام الله، بين أهل البيت الواحد (الفصائل الفلسطينية) والعدو الإسرائيلي متمثلاً بـ «وحدة المستعربين»، مع غياب تام للجيش الإسرائيلي ودبّاباته ومدرّعاته ومشاته، إلا في ما ندر.

القصة... كذبة!

تدور أحداث الموسم الأوّل من «فوضى» بين نابلس، ورام الله، ومستوطنة إسرائيلية متلاحمة، تتصارع فيها عصابة «دورون» (الشخصية الأساسية في المسلسل التي أداها ليور راز) ــ المستعربون ــ المتراجع عن قرار اعتزاله العمل العسكري، وخلية القيادي توفيق حامد «أبو أحمد»، الذي تبيّن أنه لم يمت، ولا يزال يمارس عمله العسكري سرّاً، ويخطط لعمليات عسكرية في عمق الكيان الغاصب.
«أبو أحمد» الذي يُفترض أنه تم تشييعه قبل أشهر من بدء أحداث المسلسل، هو تجسيد لشخصية إبراهيم حامد «أبو علي» قائد كتائب عز الدين القسام سابقاً في الضفة الغربية، وقد اعتقلته قوات الاحتلال عام 2006 بعد مطاردة دامت ثماني سنوات. علماً أنّ ممثل الكيان الغاصب قال للقضاة حين عُرض ملف الأسير عبد الله البرغوثي على هيئة المحكمة: «حضرات القضاة، إني أقدم لكم اليوم أكبر ملف أمني في تاريخ دولتنا، إنه أخطر أسير في سجوننا. قتل أكثر من 78 صهيونياً في أكثر العمليات دموية في تاريخنا... وإذا سألتم من نظم البرغوثي أقول لكم إنه ابراهيم حامد ... كانت كل العمليات (الاستشهادية) التي خرجت من رام الله هو من يتحمل مسؤوليتها...».
عاد «دورون» إلى وحدة «المستعربين» لإكمال المهمة، فيما يتحضّر «أبو أحمد» لتنفيذ المزيد من العمليات ضد الكيان الغاصب. من هنا تبدأ الحكاية، ليتبين أنّ «أبو أحمد» وحيد ــ بحسب المسلسل ــ تقابله وحدة من «المستعربين» وأخرى من جهاز الاستخبارات الإسرائيلية ووزارة دفاع العدو والقيادي في حركة حماس «أبو سمارة» والقيادي في حركة فتح «أبو ماهر».
هنا، نقف لنسأل: هل كان القصد إظهار «الفهد» (لقب أبو أحمد) وحيداً بين كل هذه الذئاب في محاولة لتصوير الصراع الفلسطيني ــ الفلسطيني في الداخل والذي يستفيد منه العدو بشكل كبير، أم هي سقطة أظهرت عن غير قصد أنّ «الفهد» بطل؟ سنكتشف لاحقاً!

الحقيقة «إسرائيلية» والفلسطيني «خائن»

يحاول المسلسل إظهار وحشية الفلسطينيين في القتل، وتعطشهم للدماء، وتعاملهم مع العدو الإسرائيلي بشتّى الطرق، ويظهر القدرات الخارقة للعدو في تقصّي الأشخاص ومراقبتهم وتجنيدهم بسهولة، إضافة إلى غباء المحيط الذي تتحرّك فيه وحدات المستعربين. ولم ينسَ أن يظهر الجانب المحب للحياة في المستوطنات، من أماكن للسهر والاستمتاع بالحياة، فهو يصوّر الإسرائيليين يعزفون الموسيقى ويرقصون في الملاهي الليلة ويدخنون الحشيش.


العمل من كتابة الصحافي الإسرائيلي آفي عيسى شاروف والجندي الإسرائيلي السابق ليور راز


الفلسطينيون يحبون الدمّ، فـ«أمال»، العروس التي ترمّلت في يوم زفافها، بسبب «أبو أحمد» (شقيق زوجها)، تصبح استشهادية بعد تنفيذها عملية في أحد ملاهي المستوطنات الذي يتردّد إليه قاتل زوجها. العملية إذاً ليست من أجل الأرض ومقاومة الاحتلال، إنّما هي ردّ فعل غاضب من خلال قتل «أبرياء»، بعدما قتل أحد عناصر وحدة المستعربين بقيادة «دورون» زوجها «عن حق» بعدما حاول طعنهم أثناء اقتحامهم لعرسه بشكل متخفٍّ للوصول إلى «أبو أحمد».
الفلسطينيون لا إنسانيين ويحبّون الدماء، فـ «أبو أحمد» الذي اعتقل «بوز» قاتل شقيقه عن طريق الصدفة، يتحوّل إلى «مجرم» متعطّش للدماء والشهرة حين يكتشف هوية الأسير الحقيقية. يقرّر أثناء عملية التبادل التي أفشلها «دورون» بنفسه خارجاً عن أوامر مرؤوسيه، أن يفجّر سجينه من دون أن يأخذ في الحسبان حياة «ابنته» التي اختطفتها عصابة «دورون» من منزل جدّتها وزنّرتها العصابة بالمتفجرات، والشيخ «عوض الله» المختطف والمزنّر أيضاً. فبدلاً من أن تتسلم خلية «أبو أحمد» آلاف الأسرى في سجون الاحتلال في مقابل «بوز»، يقرّر «دورون» تسليمه الشيخ وابنته. حينها، يقرّر «أبو أحمد» تفجير أسيره مضحياً بابنته، في محاولة جديدة لإظهار انعدام الجانب الإنساني للمجاهدين الذين لا يرفّ لهم جفن إذا ما قرّروا التضحية بأبنائهم تلبية لمصالحهم الشخصية.
يتشارك الفلسطينيون الفراش مع العدو، إذ تتشارك الطبيبة «شيرين» السرير مع «دورون» بشكل غير منطقي، ناسفة الأعراف والتقاليد المجتمعية التي تحكم العرب عموماً، وأهالي نابلس ورام الله خصوصاً، وذلك بعدما عرّف «دورون» عن نفسه بأنه من الأمن الوقائي حين طُلب منه التقرّب من «شيرين» وتجنيدها بسبب صلة القرابة التي تربطها بـ «وليد العبد»، مساعد «أبو أحمد» الأوّل.
الفلسطينيون أيضاً خونة. على امتداد الحلقات الإثنتي عشرة، يُظهر المسلسل تخاذل هؤلاء في غرف التحقيق بطريقة ساذجة. رفاق السلاح يتهاوون واحداً تلو الآخر. فسقوط مربّي «أبو أحمد» لم يكن صعباً، حين فضّل علاج ابنته على القضية، في حين فضّل «أبو خليل» التستّر على فساده في مقابل اعترافه بتفاصيل عملية «أبو أحمد»، كما فضّل الرجال المقرّبون من «أبو أحمد» الحياة في مقابل كشف مكان تواجده. الجميع إذاً يفضّل نفسه على القضية. حتى الشيخ «عوض الله»، صاحب المكانة العالية في «حماس»، وأحد أهم شخصياتها، اعترف بعد تلقيه ثالث ضربة «شاكوش» على يده.
«أم أحمد» أيضاً قبلت أن تعالج ابنتها في مستشفيات العدو وحصلت على بطاقات السفر من الكابتن «أيوب» للعودة إلى ألمانيا، بعدما رفضت طلبه الزواج بها. حتى «وليد»، المساعد الأوّل لـ «أبو أحمد»، تعامل مع «أبو سمارة» القيادي في «حماس» وقتل قائده الذي فشل الإسرائيليون والمستعربون في تصفيته. قتله بطلقة من الخلف، أتقن المخرج تصويرها كفعل «خيانة». لكن، إذا كان الفلسطينيون يعترفون بهذه السهولة ويتخاذلون، فلماذا لا يزال العدو الإسرائيلي يتلقى الضربات من قبل مقاومين يعملون بالسرّ ليلاً نهاراً، ويحققون إنجازات كبيرة في قلب هذا الكيان الغاصب؟ ولماذا لا يزال العدو الإسرائيلي لا يعرف الكثير عن شخصيات سريّة تقود خلايا وتخطط لتنفيذ عمليات؟

السذاجة في محاولة لـ«أنسنة» المستعرب/ العدو

يمكننا اعتبار القائمين على «فوضى» سذّجاً إذا ما كانوا يعتقدون أنّهم بهذا العمل سيغيّرون وجهة نظرنا تجاه العدو. نحن أبناء القضية، لسنا الفئة المستهدفة من هذا العمل الضخم في أغلب الظن، ولا حتى الإسرائيليين أنفسهم أيضاً. يستهدف العمل المتخاذلين من العرب، الذين عبّروا عن «سعادتهم ومحبتهم للعمل»، بحسب ما قال كاتب المسلسل في مقابلة منشورة معه. كما أنّه يستهدف أيضاً المجتمعات الغربية التي لا تعرف عن هذا الصراع إلا القليل.

أبلسة للفلسطينيين الذين يظهرون متعطّشين للدماء ووحوشاً وخونة

دموع «نوريت»، المجندة في وحدة المراقبة والاستطلاع التي التحقت بالعمل الميداني مع المستعربين، حين كان «هيرتزيل ستيف» يضرب يد الشيخ «عوض الله» بالـ «شاكوش» لانتزاع الاعتراف منه، تعتبر سذاجة تلفزيونية تقضي بأن مجندة في الجيش الإسرائيلي تبكي بسبب مشهد تعذيب بسيط! إنها الإنسانية المصطنعة، التي لا يمكن لجميع مسلسلات العالم أن تحاول إظهارها، فمن يذكر الغارات التي نفذتها مجندات إسرائيليات على لبنان وفلسطين وأودت بحياة آلاف الأبرياء، لا يستطيع أن يشعر بالجانب الإنساني المفتعل لدى المجندة التي تلكأت في قتل أحد مرافقي «الشيخ» أثناء اعتقاله، ولا أن يتعاطف معها ويقول في سرّه: «كلنا بشر». وحدها الفئة المستهدفة ستفعل ذلك.
أما «إنسانية» الكابتن «أيوب»، الذي يحمل هموم الفلسطينيين (ضحايا ابتزازه) فهي ساذجة أيضاً. «أيوب» الذي كان حريصاً على عودة النظر لعين ابنة «أبو أحمد»، كان في اللحظة نفسها يعمل جاهداً للتخلص منه. «أيوب» الذي كان حريصاً على شفاء ابنة مربي «أبو أحمد»، كان في اللحظة نفسها يعمل جاهداً للتخلص منه. إنها السذاجة المتلفزة في إظهار قدرة الإسرائيليين على الفصل بين «المتورّطين» والأبرياء، ورحابة صدرهم في مساعدة الجميع، وتصوير الفلسطينيين على أنهم «ثيران» هائجة، لا تميز الألوان، وتريد أن تضرب الصديق والقريب والعدو، لتشرب نخب الدمّ.

أخطاء وخلاصات

كثيرة هي الأخطاء التي غفل عنها العسكري السابق في الجيش الإسرائيلي وعصابة «المستعربين» الكاتب ليور راز وشريكه الصحافي العسكري آفي عيسى شاروف. فمَن خاض كل هذه التجارب في المواجهة مع الفلسطينيين، عليه أن يحترم عقله قبل أن يحترم عقل المشاهد. ليس لشيء وإنّما فقط كي تكون حججه قويّة في المرّات المقبلة، وأن يأخذ في الاعتبار القوّة التي لم تقو إسرائيل حتى اللحظة على إخضاعها، وألا ينسى التقاليد والعادات الفلسطينية المسيطرة على مجتمعات الضفة الغربية.
من ناحيتنا، نحن أبناء القضية وحاملي همّها، فعلينا أن نشاهد العمل، ونتعلم أكثر لننتج أعمالاً تظهر وجهة نظرنا حول أنّ الهدف الأساسي في صراعنا مع العدو الإسرائيلي ليس إنصاف طرفي الصراع، بل نقل وجهة نظر واحدة، أي وجهة نظر المظلومين والمضطهدين، ومحاولة نصرتهم عبر أعمال درامية وبوليسية نحاول من خلالها أن نستهدف فئة جديدة. فئة حاول القائمون على مسلسل «فوضى» استهدافها. هذا واجب من واجباتنا «المقدّسة» في جهادنا ضد العدو الإسرائيلي!