تلك المنمنمات الخطوطية المعقّدة، تتفكّك تماماً في معرضها الفردي الجديد في «غاليري جانين ربيز» (الروشة ــ بيروت). كأن لور غريّب (1931) تفرط لوحتها أمامنا، بعناصرها وأشكالها المتداخلة. الأكيد أن الزمن يفعل تأثيراً معكوساً معها، ولا يقوى إلا على مضاعفة تلقائيتها وفطريتها وشقاوتها. يعيدنا النظر إلى أعمال معرضها «نشوة العين» الذي يستمرّ حتى 14 كانون الثاني (يناير)، إلى البدايات (راجع الكادر)، لتتبع مسار تطوّر اللوحة ووصولها إلى هذه المرحلة.


قد لا تكون العودة مهمّة سهلة، خصوصاً بالتنوّع والتجريب، اللذين جعلا من كل معرض تجربة جديدة، وإن كانت بعض العناصر ثابتة في اللوحة. ما يهمّنا هو اليوم، رغم أن الزمن في لوحة الفنانة والناقدة اللبنانية مفتوح ومتواصل، ولا تترك له أن يمسّ لوحتها بثقله. تفتت هذه السنوات الطويلة وتنثرها بشكل خيطان ملوّنة وخرز فاقع على لوحاتها الصغيرة. بقدرتها على اللهو، والتقاط الحالات من منبتها الطري، من دون إضافات أو زوائد قد تسلب من اللوحة عفويتها التي تصل إلى نوع من العبث بكل شيء.
كأنها بأعمالها الأولى كانت تحمي هذه الطفولة التي تشهرها الآن في السادسة والثمانين من عمرها. إنها طفلة في السادسة والثمانين، تحلم، دائماً، في الحفاظ على هذه السنتيمترات القليلة من بصرها. الرؤية التي تشير إليها دائماً، وذاكرتها البصرية، علاقتها الأساسية مع العالم والأحداث اليوميّة. تمدّ يدها، وتدعونا مراراً إلى تلمّس سطح اللوحات مع ابتسامتها الدهشة كما لو أنها تتحسسها للمرة الأولى. لوحاتها الجديدة تنجرّ وراء هذه الحسية، والتفاعل السريع مع الأشياء، وخلاصات السنوات الطويلة التي تخرج بشكل تعليقات محكية لماحة وبسيطة. في المعرض، تتوزّع لوحات بأحجام مختلفة تبدو كخلاصة لتجربة ما برحت تتحرر من الأسلوب، شيئاً فشيئاً من الستينيات حتى اليوم. أكان عبر الألوان، التي بدأت تجتاح اللوحة لتحتلّها بشكل كامل وصاخب، أو عبر التخلّص من الأشكال والقوالب والزخرفة التي حكمت لوحتها لفترة طويلة. تقدّم هذه المرّة مجموعة من اللوحات الصغيرة، التي بدأت العمل عليها في السنوات الثلاث الماضية، كممارسة طقوسية يومية. لوحات بدائية لا مبالية، بتعبيرية بضّة وغير مكتملة. هناك شرائط وخيطان وخرز وبرق لامع وشرطان حديدية، وأدوات أخرى كالشمع، تصنع وجوهاً وكائنات بحالات وأمزجة مختلفة.


شخصيات مينيمالية
رسمت على عجل
بخربشات حادّة أحياناً
يغيب العمر عنها تماماً، والجنس في بعض الأحيان، حتى طبيعة الكائنات نفسها. عيون وأفواه فقط. ترفق وجوه كائناتها العجيبة والتزيينية الفاقعة بجمل وعبارات مثل «هذا قدري»، و«أحلام طفلة صغيرة عمرها 85 سنة». تهدي إحدى اللوحات إلى أبناء حلب، وأخرى ترسم فيها أحفادها. الأعمار تتماهى وتتداخل، «الآن ولدت» تقول إحدى الكائنات. من ينظر إلى اللوحات، لن يشكّ للحظة واحدة بأنّ من ارتكب هذه الكولاجات هو طفل. خدعة أخرى تتمكن فيها غريب من الضحك على العمر والزمن. أو ربما خلاصة تقول فيها إن اللعب هو المنطق الوحيد لهذه التجربة.
ليس بعيداً عن هذه الأعمال، تقدّم مكعباتها الصغيرة (5 × 5 سنتم) ضمن تجهيز تنسدل فيه الشرائط من السقف. على كل شريط عُلِّق عدد من مكعّبات خشبية يحوي كل منها لوحتين من الجهتين. ما الذي يمكن أن يقوله فنان على لوحات بحجم الجيب؟ تلعب الفنانة على الذاكرة الشفوية. بالمحكيّة اللبنانية وأخرى بالفصحى، تكتب تعابير وتحاول أن تقيم لها مرادفات بصرية ضمن المساحة الضيقة التي تسمح بها اللوحة. ترسم ما يشبه الشخصيات المينيمالية التي رسمت على عجل بخربشات حادّة أحياناً. تلجأ إلى خطوط قليلة لترسم شخوصها أو حالاتها، وترفقها بعبارات لا تخلو من الفكاهة والسخرية والبذاءة الجماعية، مثل «اسم الله» و«حبني لحبّك» و«شو مشتاق نام عظهري» و«عصفور مبندق». تعيد غريّب في هذه الأعمال اكتشاف الوقع الأوّل لعبارات مألوفة كهذه. هذا ما تفعله أيضاً بالوصايا العشر التي تتفق عليها الكتب الدينية: «لا تزن»، «لا تقتل»، «لا تشته امرأة قريبك». بكائناتها الكاريكاتورية المؤلفة من الخطوط فحسب، والعارية في معظم المربعات الصغيرة، ترسم تجسيداً بصرياً شقياً لهذه الوصايا الصارمة. «أنا الرب إلهك» يطالعنا وجه الإله على شكل رجل بلحية مدببة. من ناحية أخرى، هناك مربعات أيضاً بحجم أكبر قليلاً لما يشبه يوميّاتها، تخبرنا أنها تشتاق فيها إلى بيروت، وتتحدث عن أزمة النفايات وعن ذكرياتها شخصية والجماعية... هذا التفاعل اليومي مع الأحداث ومشاهدة الوثائقيات، ومتابعة الأخبار يشكّل ملهماً لأعمال غريب التي تراوح بين العام والهواجس الفردية. تترك البياض أحياناً ليغطي المساحة الأكبر من اللوحة مقابل زخرفات أو وجوه، أو شجر مع بعض العبارات والجمل.

تنوّع وتجريب
يجعلان من كل
معرض تجربة
جديدة
نرى هذه الفراغات البيضاء في لوحات أكبر حجماً تعود إلى عامي 2010 و2011، معروضة في الغاليري أيضاً. تترك الوجوه بيضاء لأن «هذه المساحة لي وحدي» كما تقول. مقابل وجوه كائناتها المصنوعة من الخفة، التي تشبه الدمى، تجر قلمها الحبري الأسود ضمن دوامة لا متناهية من الأحداث والأفكار، والزخرفات والتكرارات التي تتلاقى عبرها الأجيال والأزمنة والذكريات. هنا تستكشف الأمومة، تلصق صور والدتها وجدتها، تدخل الألوان والخيطان المطرزة والكلام الذي يصير أحد عناصر من الرسم. إنها سيرة بصرية عائلية ولبنانية بالأبيض والأسود تمرّ كشريط بين جذورها في بعقلين وحداثة بيروت، ومن الشاعرة والرسامة إلى الزوجة والأم والجدّة. تقول مواقف متقلبة من الحياة والموت والحب، وخلاصات بسيطة، ولحظات عابرة، لكنها تحسم: «الغد لي من دون شروط». هناك أيضاً لوحة أخرى عن الشعر والشعراء تستعين فيها بجمل لأفلاطون وأخرى لها. «كل إنسان يصبح شاعراً إذا لامس قلبه الحب». ربما لهذا تركت الشعر وانصرفت إلى الرسم، رغم أن الكتابة والأبيات الشعرية لم تفارق لوحتها.

«نشوة العين» للور غريّب: حتى 14 كانون الثاني (يناير) ــ «غاليري جانين ربيز» (الروشة ــ بيروت). للاستعلام: 01/868290




في عزّ حداثة بيروت

جاءت لور غريّب من الشعر إلى الرسم. في عزّ حداثة الشعر واللوحة والمسرح في بيروت، أنجزت لوحات شكلية متفرّدة مطلع الستينيات. أعمال يطغى عليها اللون الأسود (الحبر الصيني)، لم تتشابه مع مجايليها حينها. معظم ذاكرتها البصرية ترتكز إلى كتبها المدرسية في الأبيض والأسود. كما أن الألوان كانت غالية حينها، كما تقول. هكذا كانت اللوحة عبارة عن زخرفة منفلشة من الخطوط العريضة والرفيعة، والرموز الصغيرة واللامتناهية التي تشبه الأرابسك. تضمّنت أعمالها رموزاً وأقنعة آتية من العصور القديمة، وأشكالاً هندسية مستعيرة من المنمنمات تفاصيلها ضمن قالب تجريدي. شيئاً فشيئاً، بدأت الألوان تدخل إلى اللوحة، التي «كنت أخلطها بالبهارات وبعض مكونات المطبخ لتغيير درجاتها» تقول لنا. كذلك بدأت تنفلش وتتكسر تلك الأطر، وإن كانت الخطوط المتعرّجة والمتداخلة لا تزال تتسلل إلى لوحاتها اليوم. متاهات بصرية، شكلت البناء الأساسي للوحتها الأولى، التي كلما ازدادت تعقيداً، كلما عكست دفقاً وتلقائية.




الكوميكس

قدرة لو غريب على تمديد الخطوط والأشكال اللامتناهية، منحتها سهولة في الانفتاح على فن الكوميكس بمتتالياته السردية. هكذا كانت التجربة مع ابنها رسام الكوميكس مازن كرباج مهيأة مسبقاً. لوحات بالأبيض والأسود، تحكي عن الرجل المشترك بينهما أنطوان كرباج (الأب والزوج)، أو تقول يوميات العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006، أي السنة التي بدأ فيها التعاون بينهما. عملا أيضاً على بورتريه ذاتي مشترك بعنوان «أنت وأنا والبابيي بان» (2008)، قبل أن يتحول إلى معرض بالاسم نفسه عام 2010. حوارية بصرية وكلامية بين جيلين مختلفين عبر علاقة أم وابنها شاهدناها مرّة أخرى في القصة المصوّرة «غداً لن يأتي» (2014). واصلت لور تشريع تجربتها على ممارسات أكثر معاصرة في معرض «أبجديّة لور غريب ومازن كرباج» (2015) بالاشتراك مع ابنها مازن الذي صمم سينوغرافيا معرضها الحالي.