في سرير دافئ في منزل آمن، يراقب عدد كبير من الأطفال حول العالم، بفارغ الصبر، شروق الشمس، في صباح 25 كانون الأول (ديسمبر). تتحول أولى أشعتها الذهبية إلى شارة انطلاق سباق الوصول إلى شجرة عيد الميلاد وفتح الهدايا. وفي حين تختلف التقاليد من بلد إلى آخر، فإن هذا المشهد بات حاضراً في كل بقاع الأرض، فارضاً نفسه كجزء لا يتجزأ من «الطفولة» ورمزاً للحظات «السعادة الخالصة» التي يتشاركها الأطفال على الرغم من الحواجز الجغرافية والاجتماعية والمجتمعية واللغوية والعقائدية وغيرها.


لكن في زمن الحرب والتقسيم، فإن «لحظات السعادة الخالصة» تشتّتت مع تشتت أطفال مناطق الصراع، وسقطت مع سقوط الأطفال ضحية الرصاص والغارات، واحتُجزت مع احتجاز الأطفال في «المراكز» على شواطئ أوروبا، ومُنعت من الوصول إلى من تحوّلت بلادهم إلى سجن كبير، لا يدخل هواءه سوى الأوبئة ولا يخترق سماءه سوى الطيران ولا يجتاز حدوده سوى من استبدل قلبه بسلاح غربي يقتل فيه أبناء المشرق.
في ليلة 25 كانون الأول، لم ينم أطفال «اليمن السعيد». ليس ترقباً لأشعة شمس تائهة بين أعمدة النار الملتهبة ولا لنهار فقد ملامحه تحت سحابة من الدخان الأسود الكثيف، بل رعباً وهلعاً من أصوات الانفجارات التي لا تهدأ، وزلزلة الأرض التي لا يعرفون ما إذا كانت ستبتلعهم أم أنها شبعت من أجساد عشرات الآلاف قبلهم.
في صباح 25 كانون الأول، تسابق أطفال اليمن، ليس لجمع هدايا العيد بل بحثاً عن بقعة آمنة في أرض لم تعرف الأمان لأكثر من 1000 يوم.
ذلك الصباح، وتزامناً مع وقوف البابا فرنسيس على شرفة البازيليك الفاتيكانية ليمنح بركته مدينة روما والعالم، كان طيران «التحالف العربي»، الذي سبق أن حظي بمباركة روما وغيرها من العواصم الأوروبية والعالمية، يحصد أرواح أكثر من 28 يمنياً، بينهم 5 أطفال، في سلسلة مجازر تُضاف إلى عشرات المجازر التي ذهب ضحيتها 600 بين شهيد وجريح في شهر كانون الأول وحده!
ومن بين ضحايا الشهر الأخير من العام الجاري، 225 سقطوا في الأيام الأربعة الماضية، إذ صعّد تحالف العدوان السعودي من عمليات القصف الوحشي، مستغلاً انشغال العالم بعطلة الأعياد.
ونظراً للتعتيم الإعلامي المخزي وسياسة «كتم الأنفاس» وحملات التضليل والتلفيق، لم يتصدّر المشهد اليمني عناوين الصحف، وارتفعت أرواح هؤلاء الأطفال بصمت، مع ارتفاع صوت البابا من روما وهو يقول: «اليوم، وفي وقت تعصف فيه رياح الحرب… يدعونا عيد الميلاد للنظر إلى الطفل والتعرف إليه في وجوه الأطفال، خصوصاً أولئك الذين لا يجدون مكاناً يقيمون فيه، على غرار يسوع.


صور صادمة تعكس
الواقع الذي يعيشه أطفال
«اليمن السعيد»
إننا نرى يسوع في أطفال الشرق الأوسط… في أطفال اليمن حيث يدور صراع منسيّ يحمل انعكاساتٍ إنسانيةً خطيرة على السكان الذين يعانون من الجوع وتفشي الأمراض».
وفي حين لم ينجح عدد شهداء القصف المباشر للعدوان، وهو 13603 يمنيين من ضمنهم 2,887 طفلاً، ولا ضحايا الحصار، ويفوق عددهم الـ 247 ألف يمني، في اختراق جدار اللامبالاة، يحاول عدد من الناشطين حول العالم اللجوء إلى وسائل جديدة ومبتكرة يستطيعون من خلالها إيصال معاناة شعب يواجه «أسوأ أزمة إنسانية في العالم منذ الحرب العالمية الثانية». ومن بين هؤلاء، المصوّر المتخصص في تصوير الشارع وتوثيق حياة الناس، إيغور دوبروولسكي، الذي اختار أن يسلط الضوء على اليمن بطريقته الخاصة، جامعاً بين مآسي العدوان وبهجة الأعياد في صور صادمة ولكن غير مبالغ فيها تعكس الواقع الذي نعيشه كما هو.
يجمع دوبروولسكي بين لحظتين أو شيئين أو موقفين متناقضين ولكنهما في الوقت نفسه يكملان بعضهما، في لوحة تجسّد الشرخ الإنساني في مجتمعات اليوم. شرخ يتجلّى بوضوح عند مقارنة يوم عيد الميلاد لطفل في العاصمة اليمنية، وآخر في أي عاصمة أوروبية أو حتى عربية، مثل بيروت. هكذا، نرى والدة حوّلها الحصار السعودي إلى هيكل عظمي، جالسة وفي حضنها هيكل عظمي آخر. وإذا أمعنا النظر، نكتشف أنه طفل يعاني من سوء التغذية الحاد، تمّ استبدال وجهه النحيف بهدايا مغلفة بأبهى الألوان. وفي صورة أخرى، يجلس رجل على جبل من الركام يبكي على حجارةٍ احتضنت عائلته، وفوقه نافذة أمل فيها شجرة عيد الميلاد تخيّل المصوّر أنها كانت لتكون في زاوية المنزل لو أن العدوان لم يكن أبداً.
فما الذي دفع دوبروولسكي للقيام بذلك؟ «معاناة الناس الأبرياء» بهذه العبارة ردّ «مصوّر الشارع» على سؤال «الأخبار»، مؤكداً أن «تسليط الضوء على الحرب المنسية في اليمن وتداعياتها على الشعب بأكمله، لا سيما الأطفال، هو واجب إنساني».
الشاب الذي ولد في قرية صغيرة في بولندا عام 1987 وانتقل حديثاً إلى برلين، يهاجم «الحكومات الغربية التي تبيع المعدات العسكرية والأسلحة إلى دول التحالف العربي، الذي بدوره يستخدمها في استهداف المدنيين»، مشيراً إلى عشرات التقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية التي تؤكّد ذلك.
وبنبرة غاضبة، يستغرب دوبروولسكي الذين يتعاطفون مع «الإنسان وفق لون بشرته أو دينه أو جنسيته… أو الحدود الجغرافية»، مضيفاً: «اليمن يواجه أسوأ أزمة القرن الحادي والعشرين… البلد على حافة أكبر تفشي لوباء الكوليرا في التاريخ… الأطفال يموتون من الجوع في وقت يمنع العدوان وصول المواد الغذائية والمساعدات الطبية. لماذا العالم يتجاهل هذه المأساة؟». وفق منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، يموت طفل واحد كل عشر دقائق في اليمن، في حين يحتاج 90 في المئة من الشعب إلى «مساعدات إنسانية عاجلة».
أما عن أهمية الفن كوسيلة للتعبير عن قضية أو التأثير في الرأي العام، فيجيب المصور البولندي إنه «من خلال التصوير أو الرسم أو النحت أو أي وسيلة فنية، نستطيع أن نحدث فجوة في جدار التعتيم الإعلامي المفروض»، مشيراً إلى أن هدفه من الحملة الداعمة لليمن هو «جذب انتباه الناس على مواقع التواصل الاجتماعي وإجبارهم على البحث أكثر عن الحالة الإنسانية السيئة في ذلك البلد، وقراءة تقارير منظمات حقوق الإنسان وغيرها من التقارير الصحافية التي تنقل المشهد بصدق وشفافية».