لزم الأمر ما يزيد عن نصف القرن ليرى جورج نصر (1927) نفسه مكرماً في المهرجانات الدولية مجدداً وفي لبنان خصوصاً. هو الذي اعتبر 2017 سنة التكريمات التي بدأت في «مهرجان كان السينمائي الدولي» واستُكملت بصدور فيلم وثائقي («نصر» - 65 دقيقة ـــ للمخرجين بديع مسعد وأنطوان واكد)، وكتاب حول مسيرته بعنوان «جورج نصر: السينما الداخلية» (إشراف غسان قطيط ـــ منشورات جامعة الـ «البا». علماً أنّ نصر تولى تعليم مادة الإخراج هناك على مدى سنوات).


التقته «الأخبار» في أحد مقاهي الحمرا حيث اعتاد الجلوس. عدنا معه بالذكريات الى خمسينيات القرن الماضي والى مسيرته الشاقة في عالم السينما، والى ما اعتبرها فترة محاربة له.
في أواخر الاربعينيات، كان جورج نصر طالباً في الهندسة المعمارية في إحدى جامعات شيكاغو. ابن طرابلس ــ كما يقول ــ كان بحاجة الى رؤية البحر، وعندما انتقل لإكمال دراسته في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، لم يُعترف بسنتي الدراسة اللتين قضاهما في شيكاغو، فاضطر للبدء من الصفر. تعرّف مصادفة الى رجل كان يسكن في المكان نفسه الذي استأجر فيه غرفة، فأخبره عن اختصاص السينما في الجامعة نفسها حيث كان يدرس. اعتبره نصر بمثابة وحي من الله، هو الذي كان يشاهد سبعة أو ثمانية أفلام في الاسبوع، فكانت تلك البداية في عالم السينما.

مع انه عمل لثمانية أشهر في استديوهات هوليوود بعدما تخرّج، لم يرغب نصر في البقاء هناك، إذ رأى أنه سيحتاج الى أكثر من 10 سنوات ليعرف درب الشهرة. فضّل العودة الى بيروت. وبعد فترة تدريب في باريس، بدأ البحث عن منتج لفيلمه الروائي الاول وعن موضوع مناسب: «كنت قد ذهبت قبل عام للبرازيل، ورأيت اللبنانيين ينامون في الحدائق. كما زرت نيويورك لاحقاً ولاحظت انتشار اللبنانيين هناك. في أحد الايام، رأيت منهم من ينتظر أمام باب مطعم أملاً بالحصول على بعض فتات الطعام. وهكذا ولدت فكرة الحديث عن الهجرة التي كنت ضدّها». عن ذكريات التصوير وصعوباته آنذاك، يخبرنا نصر: «اخترت منطقة درعون بالقرب من حريصا وكان الضباب يلفّها غالباً. لم يكن التصوير سهلاً، خصوصاً في وجود ثلاثة أجيال في الفيلم. وكان من الصعب إيجاد الوقت المناسب لجمعهم، إذ إن الصغار يذهبون الى المدرسة، أما الكبار فيعملون. كنا ننتظر أيام الفرص للتصوير، فاستغرق الامر نحو 11 شهراً. لم يكن هناك من محترفين وتقنيين كما هي الحال اليوم، فاجتمعت بأصدقاء، وأسندت الى كل منهم وظيفة ما في الفيلم. ثمّ اقتُرح عليّ في باريس، حيث أجريت المونتاج، أن أُرسل الفيلم الى «مهرجان كان». لم تكن هذه الفكرة في بالي من قبل، بل لم أملك الجرأة للتفكير بها أساساً. فكان بالفيلم أن أعجبهم وهكذا بات «الى أين؟» أول فيلم يمثّل لبنان رسمياً في «كان» ويضعه على الخريطة السينمائية للعالم. يومها، كان «مهرجان كان» في سنته العاشرة».
لم يمرّ تصوير الفيلم وإنجازه من دون صعوبات أخرى على الصعيد التقني أيضاً. اضطر الطاقم الى التصوير مجدداً بعد استخدام كاميرا غير ملائمة في المرة الاولى، إذ كان المصوّر رودريغ دحداح الآتي من عالم الدعايات لا يملك الخبرة في المجال السينمائي. يتذكر نصر: «في مشهد الدبكة في الفيلم، لجأنا الى ثلاث كاميرات، ولم يكن هذا الامر رائجاً آنذاك، وقد استغرب المبتدئون في عالم السينما الأمر. صورّنا الفيلم من دون تسجيل صوتي، وعملنا على الدبلجة لاحقاً في لبنان. ولكننا واجهنا صعوبة في فرق السرعة في الصوت بين لبنان وفرنسا أيضاً!».
بعد العودة من «مهرجان كان» عام 1957، شعر نصر بخيبة كبيرة: «توقعت أن يتمّ استقبالي في المطار، ولكن لم يكن هناك أحد. كما لم تقبل أي صالة لبنانية عرض الفيلم، الا في الاوبرا. ولكن جمهور هذه السينما كان متعوداً على الافلام المصرية. «الى أين؟» موضوع لبناني وتمثيله جامد، لم يتعرف الجمهور إلى نفسه فيه». ضمن فئة كلاسيكيات التي يحتفي خلالها «مهرجان كان» سنوياً بأعمال قديمة بارزة، عُرض «إلى أين؟» بنسخته المرممة (بمبادرة من قبل شركة «أبوط» و«مؤسسة سينما لبنان» و«نادي لكلّ الناس») في أيار (مايو) الماضي، بعد مرور 60 عاماً على تقديمه في المهرجان نفسه، بحضور مخرجه الذي اعتبره تكريماً هائلاً بعد كلّ هذا الوقت.


يحوي تاريخ لبنان ما يغذّي السينما لعشرات السنين (ج. ن)


مشاركة نصر الأولى في «مهرجان كان» تبعتها أخرى العام 1962 مع فيلم «الغريب الصغير». وكان له فيلم روائي ثالث بعنوان «المطلوب رجل واحد» (1973) الذي يؤكد نصر أنّه عُرض في سوريا لأكثر من 30 عاماً!
أما في ما يتعلّق برحلته الأخيرة الى كان، فيضيف: «كان شرفاً كبيراً أن أمثل لبنان رسمياً في كان، مع كل الصعوبات التي واجهناها لصنع الفيلم. عرض الفيلم ثمانية أشهر بعد تأميم قناة السويس. وانتقدتني إحدى الصحف الفرنسية بسبب اسمي وأشارت إلي بـ «نصر ما» (Un Certain Nasser) وكأنني من أقارب عبد الناصر، إذ كان الاسمان يكتبان بالطريقة نفسها بالفرنسية». «نصر» أو Un Certain Nasser هو أيضاً عنوان فيلم وثائقي من إخراج أنطوان واكد وبديع مسعد تعرضه «متروبوليس» تزامناً مع عرض «إلى أين؟». شريط يتركز على شخصية نصر ومسيرته التي يرويها بنفسه كونه نجم الفيلم كما يؤكد بفكاهة.
مسيرة جورج نصر في السينما والحقبة التي انطلق فيها كانت مرتبطة بشكل وثيق بظروف المنطقة السياسية والتاريخية. يروي لنا: «آنذاك، كان عبد الناصر قد أمّم السينما المصرية، وأصبح التركيز على إنجاز أفلام يمكن عرضها في الدور المصرية. كان هناك إنتاج كثيف للافلام في لبنان، ولكنها كانت من دون هوية. في تلك الفترة، لم أشأ أن أقوم بما يتعارض مع قناعاتي في السينما، وعملت في المقابل على نحو 150 فيلماً دعائياً وأفلام وثائقية.
كنت أريد أن أخلق سينما لبنانية، ولكن تلك لم تكن رغبة الجميع، والميل كان الى إنتاج الافلام التجارية التي تأتي بالارباح. اتصلت بعشرة وزراء والكثير من المسؤولين يومها لتأسيس صندوق دعم للسينما، لكن من دون جدوى. كنت مقتنعاً أنه لو ساعدت الدولة السينما اللبنانية، كان بإمكانها أن تصبح صناعة مهمة. لم أتوقف عن الكتابة للسينما طوال هذه الفترة، وأملك الآن خمسة نصوص، أحدها بعنوان «على عيون الناس». أحتاج الى التمويل لإنجازه، وأرغب في إنتاجه بنفسي لأنه موضوع لبناني زغرتاوي. كتبته العام 1959، وعندما اندلعت الحرب، اكتسب المزيد من العمق. من الصعب أن نلاحظ بعد كلّ هذا الوقت والحروب أنّ شيئاً لم يتغيّر. هناك في تاريخ لبنان ما يغذّي السينما لعشرات السنين».
اليوم، لا يزال نصر يشعر بأنه حورب بشدة آنذلك: «السفير المصري كان يدير السياسة هنا. هيمنة السينما المصرية على صالات السينما كانت تامة، وكان أصحاب الصالات ينتظرون الاعياد لعرض فيلم مصري، من دون أن يعوا أن السينما هي في الواقع مرآة البلد الذي تصدر منه. يمكنها أن تكون إحدى أبرز الصناعات في لبنان. أفلام بريجيت باردو كانت تجلب لفرنسا مبالغ طائلة. ولكن للأسف تلك كانت الظروف التي مررت بها، ولم يسعني الا تلقي تلك الضربات».
من جهة أخرى، يتحدث نصر عن نظرته الى السينما في العالم وفي لبنان اليوم: «أصبحت الافلام الاميركية متشابهة وتجارية، ولم يعد هناك الا القليل من الاعمال الجيدة. ولكن السينما الاوروبية أكثر غنى من ناحية المواضيع». أما بالنسبة الى الافلام اللبنانية، فيقرّ أنه لا يتابعها حقاً: «التلفزيون قلل من قيمة تكاليف الانتاج. وأي كان يسمّي نفسه مخرجاً، في غياب الرقابة على المستوى والنتيجة «تخبيص». لكن أجد أن أفلام بعض من تلاميذي هي الافضل، على غرار مير جان شعيا وأمين درة اللذين قدّما فيلمين جيدين».

«إلى أين؟» و«نصر»: بدءاً من اليوم حتى 10 كانون الثاني (يناير) ـــ «متروبوليس أمبير صوفيل» (الاشرفية) ـ للاستعلام: 01/204080





رحلة الترميم وسيرة المخرج

تعرض «متروبوليس أمبير صوفيل» النسخة المرمَمة من «إلى أين؟» الذي يشكّل محطة مهمة في تاريخ السينما اللبنانية، إذ وَضَعَها على خريطة الفن السابع العالمية كونه شارَك عام 1957 ضمن المسابقة الرسمية لـ «مهرجان كان»، وكان بذلك أول عمل سينمائي لبناني يُعرَض عالمياً. كذلك، تقيم «متروبوليس» بالتوازي عُروضاً للشريط الوثائقي «نصر» (Un Certain Nasser) الذي يتناول سيرة المخرج.
وكان جرى ترميم «إلى أين؟» بمبادرة من شركة «أبوط برودكشنز» (Abbout Productions)، و«مؤسسة سينما لبنان» و«نادي لكل الناس». وعُرِضَت النسخة المرممة ضمن تظاهرة «كلاسيكيات كان» (Cannes Classics) في الدورة السبعين من المهرجان، بعد 60 عاماً على مشاركة الفيلم في المهرجان. وكان جورج نصر حاضراً شخصياً خلال عرض الفيلم في مشهد مؤثّر.
أما الوثائقي، فهو من إخراج أنطوان واكد وبديع مسعد، ويتبع مسيرة جورج نصر والمعارك التي خاضها من أجل إيجاد صناعة سينمائية في لبنان، ويربط بين قصّة حياته وقصّة ولادة وتطوّر السينما اللبنانيّة. وقد حصل «نصر» في 30 تشرين الثاني (نوفمبر) الفائت على «جائزة صلاح أبوسيف» لأحسن إسهام فني من مسابقة «آفاق السينما العربية» ضمن الدورة 39 من «مهرجان القاهرة السينمائي».
وأملت ميريام ساسين من شركة «أبوط برودكشنز» في أن يُقبِل الجمهور على حضور هذا الفيلم «الذي يشكّل محطة مهمة في تاريخ السينما اللبنانية». وقالت: «نحن فخورون بأننا ساهمنا من خلال ترميم هذا الكنز الوطني، في توثيق هذا الجزء من تاريخنا وحمايته وتعريف الأجيال الجديدة به وبمخرج بالغ الأهمية لا يعرف اللبنانيون تفاصيل مسيرته وقيمتها».





الاغتراب مذ كان لبنان

الهجرة والاغتراب احتلا كل بيت لبناني منذ أن وجد هذا البلد. يروي «إلى أين» قصة عائلة فقيرة تعيش في إحدى القرى اللبنانية في خمسينيات القرن المنصرم. يقرر رب العائلة الهجرة إلى البرازيل بحثاً عن حياة أفضل لعائلته ولكن لن يعود قبل عشرين عاماً وقد ناضلت الأم لتربية أولادها وحدها. عبر قصة هذه العائلة، أراد جورد نصر استكشاف تيمة الهجرة والعيش في المنفى ورسم صورة لمجتمع ما زال يواجه الصعوبات نفسها بعد مرور كل هذا الوقت، مازجاً بين تقنية الوثائقي والروائي، وموثقاً للحياة في القرية اللبنانية وتقاليدها.