ضمن مساهمة أدوات الثقافة الشعبية في موجة تسويق النزعة القومية البريطانية (مرحلة ما بعد «البريكست»)، يتفوق الممثل البريطاني غاري أولدمان على نفسه بأداء دور رئيس وزراء بريطانيا في «أحلك الساعات» أو Darkest Hour الذي طرح أخيراً في الصالات اللبنانية. لكن شريط الدراما التاريخية السياسية، يغرق في وحول الميثولوجيا المؤدلجة والتلميع السطحي لشخصية تشرشل الجدليّة، ليستحيل مجرد عنوان جديد على رفوف مكتبة سينما الكذب الجميل.


بينما تجد النخبة البريطانية نفسها عاجزة عن تقديم إلهام مقنع للطبقة العاملة لحثها على ابتلاع سياساتها المأساويّة على كافة الصعد، لا سيّما بشأن التخبّط في مشروع الخروج من الاتحاد الأوروبي (البريكست)، والفشل المعلن للتيّار المحافظ في تقديم شخصيات قياديّة معاصرة قادرة على ملء الخواء الفكري الذي يتملكه، يبدو صانعو الثقافة الشعبيّة البريطانيين مضطرين بشكل متزايد للاستعانة بمرحلة سابقة من التاريخ وشخصياته التي صيغت بحذق في الميثولوجيا الشعبيّة كعصر ذهبي للوطنيّة البريطانيّة. إنها مرحلة الانتصار على الألمان في مواجهة الحرب العالمية الثانية الشديدة القسوة، ونجمها الأسطع رئيس الوزراء ونستون تشرشل (1965-1874).
هكذا، فإن «أحلك الساعات» هو ثاني إنتاج سينمائي ضخم عن شخصيّة تشرشل خلال أقل من 12 شهراً. قبله «تشرشل» (2017) لجوناثان تيبليتسكي، وبينهما كان فيلم «دنكرك» (2017) لكريستوفر نولان الذي قدم بدوره صورة معقمة معكوسة للانسحاب البريطاني المذل من شواطئ أوروبا أمام الجحافل الألمانيّة الزاحفة بدايات الحرب نفسها. يأتي ذلك ضمن سياق عام بدا مُتواتراً لاستعادة ما يمثّله تشرشل بريطانياً، أقلّه في الميثولوجيا التي ينسجها المنتجون الثقافيون عن هذه الشخصيّة الجدليّة خدمة للنخبة: فتشرشل اليوم على العملة البريطانيّة، وتتعدد سيره المنشورة التي ليس آخرها كتاب وزير الخارجيّة البريطانيّة بوريس جونسون عنه، إلى جانب الدراميّات الكبرى والوثائقيّات.


فضاء بصري للاستمتاع
بمشهديّة متقنة في السينما المعاصرة

يأخذنا «أحلك الساعات» (125 دقيقة) إلى بريطانيا عام 1940. كانت القوات الألمانية حينها قد تقدمت إلى عمق أوروبا الغربية ساحقة في طريقها الدفاعات الفرنسية والبلجيكية وقوات الدعم البريطانيّة، ووصلت حتى القنال الإنكليزي في مواجهة الجزيرة البريطانيّة المرتعشة خوفاً. خلال تلك الأجواء من الذعر والفوضى، كانت حكومة رئيس الوزراء المحافظ نيفيل تشامبرلن تميل ــ كما التيّار الغالب على النخبة البريطانية وقتها بما فيها العائلة المالكة ــ إلى مهادنة الفوهرر والتنازل له عن بعض المصالح البريطانيّة هنا وهناك، علّه يمتنع عن تنفيذ الغزو المحتمل. وكانت الطبقة العاملة المقموعة تغلي غضباً من الهزائم المتكررة للقوات البريطانية والخسائر الفادحة في أبناء الجيش من الفقراء. التقط صقر المحافظين ونستون تشرشل تلك الأجواء المرتبكة، وعلم بخبرته السياسيّة أن ثورة عمّالية تغلي في الأفق، فقاد التوجه المضاد داخل أروقة الحكم نحو مواجهة طموحات هتلر بدلاً من مهادنته، وتوجيه كل المشاعر الفائرة في البلاد نحو عدو واحد: ألمانيا. خاض تشرشل حينها حرباً سياسية شعواء استمرت شهرين وانتهت بفوزه بثقة الملك والبرلمان لإدارة البلاد كرئيس للوزراء.
«أحلك الساعات» (السيناريو لأنتوني ماكارتن والإخراج لجو رايت) يسجّل تلك اللحظات الحرجة في تاريخ بريطانيا. لكن الإصرار على تلميع شخصيّة رئيس الوزراء ولو عن طريق اختلاق الأحداث أحياناً أو تقديم أنصاف الحقائق وأرباع المناخات أفقده القدرة على تقديم صراع سياسي مشوّق من طينة الأعمال الأميركيّة الأخيرة («بيت من ورق»، أو «الجناح الغربي»)، خصوصاً أنّ المرحلة التاريخيّة كانت لتسمح ـــ لو توافرت الإرادة ــ لتقديم عمل نقدي يتيح اطلاعنا على الجزء «الحالك» من شخصية هذا التشرشل. كانت النتيجة ساعتين من الخطابة والثرثرة المسليّة بل المضحكة أحياناً من دون أي عمق، وفي فضاء كسل فكري عن مجادلة أسطورة تشرشل الميثولوجيّة. بذلك، أضاع الشريط الفرصة أمام الأجيال الجديدة لقراءة أقل رومانسية وأكثر اعتدالاً للمرحلة وللشخصية ولصعوبات الحياة الديمقراطية في الدولة الحديثة ودهاليز صنع القرار فيها.
ولمن لا يعرفون، فإن تشرشل الذي يسوّق كأفضل رئيس وزراء بريطاني وأيقونة سياسة وحرب في مواجهة النازية والفاشية، كان اتخذ قراره التاريخي بمواجهة هتلر - لا مهادنته ـ في ساعات حالكات بناء على حسابات حزبية داخلية وحس سياسي مرهف مكّنه من التقاط نبض غالبيّة الشعب البريطاني، وربما سعيّاً منه لمد عمر الإمبراطوريّة التي كانت تعيش موتاً دماغيّاً، لكن بالتأكيد ليس لأغراض مبدئيّة. الرجل نفسه كان أرفع مسؤول بريطاني يزور الزعيم الفاشي الإيطالي موسيلليني عام 1927 دعماً لصعود تياره إلى السلطة. قال عنه إنّه «أدّى خدمة لا تقّدر للعالم بقضائه على الحركة العماليّة الإيطاليّة»، وأنّه لو كان إيطالياً لكان تبع الدوتشي قلباً وقالباً، ومن البداية إلى النهاية في حربه على ما أسماه «الطموحات المتوحشة» للماركسيّة - اللينينيّة. وللحقيقة، فإن لتشرشل سجلاً طويلاً من الساعات الحالكة في سيرته الملطخة بدماء الملايين. هو المسؤول المباشر عن التسبب بمجاعة 1943 في البنغال في الهند ذهب ضحيتها أربعة ملايين شخص على الأقل، ودعا علناً لقتل الماهاتما غاندي. وهو العقل المدبّر وراء إطلاق وحوش الصهيونية والوهابيّة في الشرق العربي، ومهندس خلق الكيان الوظيفي في الأردن، وأمر بإطلاق النار على المتظاهرين اليساريين المعادين للنازية في اليونان، وأرعبت عصاباته من الزعران الغالبيّة الكاثوليكيّة في إيرلندا. كما بذل غاية جهده لإبقاء الأراضي الخصبة في كينيا بيد المستعمرين من الأقليّة البيضاء، وكان رائد إنشاء معسكرات العزل العنصري في إفريقيا عقوداً قبل معسكرات النازية الأوروبية. لكن «بطولاته العديدة» لم تكن لأجل مصالح بلاده فقط. فقد كان وراء سحق الحركة العماليّة في بريطانيا بالقوة وإفشال الإضراب العام الكبير عام 1926 وما تلاه، وهو تاريخياً مسؤول عن مقتل 45 ألف جندي بريطاني بسبب قراراته الفاشلة في معركة غالليبولي، ناهيك بعشرات آلاف الجنود الشبان الذين سحقهم الألمان كما الذباب بدايات الحرب العالمية الثانية. فأيّ شخصية تريد النخبة البريطانيّة أن نمجد ونجلّ؟
وفي متاهات ضعف السيناريو وغلبة الأيديولوجيا، علينا أن لا ننسى الأداء العالي الاحترافيّة لطاقم الممثلين على رأسهم البريطاني غاري أولدمان الذي قدّم أفضل أدواره على الإطلاق بأدائه تشرشل هذه المرّة. بمساعدة من ماكياج محترف، كان مقنعاً بتقمص الشخصيّة الصعبة، وبدا بالفعل متمكناً مما يفعل بل مستمتعاً بتأدية كل مشهد. إلى جوار أولدمان، قدّم بين منديلسون شخصيّة الملك جورج السادس بأفضل مما شاهدناها مع كولن فيرث (خطاب الملك - 2010) فبدا أكثر حزناً وميلاً إلى البرود كما كان الملك الراحل. وأبدعت كريستن سكوت توماس في دور المدام تشرشل التي تعاني بصمت في ظل الشخصية الطاغية لزوجها. تضاف إلى ذلك تقنيات التصوير المذهلة، والقدرة الاستثنائيّة على استعادة الأجواء التاريخيّة لمرحلة الأربعينيات في ما خص الملابس والإكسسوارات والديكور وأدوات السينوغرافيا عامة.
«أحلك الساعات» فضاء بصري للاستمتاع بمشهديّة متقنة في السينما المعاصرة، كما الأداء العبقري لغاري أولدمان ورفاقه. لكننا في لجة الدراما، نتذوق وجبة أخرى من تزوير محكم للتاريخ لأغراض السياسة والهيمنة. ونستذكر أن تشرشل مجرم حرب فاسد آخر صودف أنّه انتهى منتصراً في الحرب الكبرى. إنها السينما: عالم الكذب الجميل.

* Darkest Hour: «غراند سينما» (01/209208)، «أمبير» (01/616600)، «فوكس» (01/285582)