هوليوود استنفرت دفاعاً عن صناعة البروباغندا الأميركيّة من خلال فيلم لتبييض سمعة جريدة «واشنطن بوست» استدعت إليه أسماء من نجوم الصف الأول: ميريل ستريب وتوم هانكس والمخرج ستيفن سبيلبيرغ. النتيجة شريط يجمّل العمل الممل في إنتاج الصّحف، ويعطي كاثرين غراهام مكانة البطلة لمواجهتها طغيان العنصر الذكوري في أجواء العاصمة الفيدراليّة، لكنه يفشل حتماً في إعادة تأهيل الصّناعة الأميركيّة الأولى: الأخبار الكاذبة.


في وقت تعيش فيه أدوات الميديا وبيوتات الأخبار الأميركيّة الكبرى ــ التي يغلب عليها التيار النيوليبرالي ـــ واحدة من أسوأ مراحلها على الإطلاق في ظل هجوم صريح عليها من قبل إدارة الرئيس ترامب، والتعريض بها من قبل اليمين الأميركي بوصفها مؤسسات لصناعة «الأخبار الكاذبة» وتراجع ثقة الجمهور العام بها (أقل من 27% من الأميركيين يثقون بها)، قرّرت هوليوود أن تستعيد بعضاً من أسطورة الموضوعيّة وأوهام نظريّة سلطة الصحافة الرابعة المزعومة من خلال تقديم عمل مشوّق من العيار (الفني) الثقيل دفاعاً عن جريدة «واشنطن بوست». الأخيرة تعد واحدة من أهم النوافذ الإعلاميّة المؤثرة للإمبراطوريّة الأميركيّة. إلى جانب شقيقتها الكبرى «نيويورك تايمز»، فهي تعدّ الجريدة التي «تفرض إيقاعاتُ تغطيتها للشأن السياسي في العاصمة الفيديراليّة، شكلَ الأخبار في الإعلام المحلي الأميركي والعالمي عموماً»، وتقرأ نسختها المطبوعة على نطاق واسع بين نخب العاصمة تحديداً وعبر الولايات المتحدة. كما يصل محتواها إلى ملايين القرّاء من خلال موقعها الإلكتروني، ومن خلال ترتيبات لإعادة نشر مقالاتها في صحف العالم الكبرى بلغات عديدة.
«ذا بوست» (116 دقيقة) يروي قصة معقدّة مستلهمة من أحداث واقعيّة عن القرار الذي اتخذته «واشنطن بوست» مطلع السبعينيات بنشر وثائق سريّة، سرّبها دانيال إليسبيرغ المحلل العسكري في الخارجيّة الأميركيّة. تكشف هذه الوثائق عن كم هائل من الكذب في الرواية الرسميّة عن حرب فيتنام (الوثائق اشتهرت لاحقاً بأوراق البنتاغون) رغم ضغوط إدارة الرئيس نيكسون الحثيثة وقتها لمنع ذلك من خلال التهديد باتخاذ إجراءات قانونيّة. أمر مهّد لاحقاً للتحقيقات بشأن فضيحة ووترغيت التي قضت على المستقبل السياسي للرئيس نيكسون وتسببت في استقالته.
ومع أنّ «ذا بوست» يتمحور حول فترة نهاية السبعينيات، فإن الارتباط بالرّاهن يكاد لا يخفى على أحد من خلال فكرة رئيس أميركي مزعج يحاول ترويض الأدوات الإعلاميّة وتضليل الرأي العام بكثير من الكذب وإخفاء الحقائق. أمر لم يخفه محرر الـ «واشنطن بوست» الحالي في مقالته عن الفيلم، ولا حتى مُخرجه الذي أقر بأنّ العمل أنجز بسرعة استثنائيّة خلال ستة أشهر إثر انتخاب دونالد ترامب.
مهمة المخرج ستيفن سبيلبيرغ لم تكن سهلة. جلّ أحداث السيناريو (كتابة إليزابيث هانا وجوش سينجر) تجري في أجواء داخليّة مثل منزل غراهام ومقر إدارة «البوست»: المكاتب وغرف التحرير وصالات الطعام، من دون أيّ مطاردات عنيفة أوغراميّات عاصفة. كما أن فيلم «كل رجال الرئيس» (1976) الذي يغطّي الفترة نفسها، لا يجعل المنافسة أمامه سهلة أبداً. لكن من خلال عبقريّة أداء نجمته المتألقة ميريل ستريب (في دور كاثرين غراهام مالكة الصحيفة وقتها وناشرتها) وحرفيّة مصمم الصورة جانسوز كامينسكي، نجح سبيلبيغ بالمجمل في تقديم دراما سياسيّة مشوقة في معظم الوقت ضمن فضاء بصري ممتع نُسج من سينوغرافيا نوستالجية وتقنيات تصوير حديث في آن الوقت.
أجواء الفيلم تستعيد مرحلة بدأ فيها الرأسماليون الأميركيون الكبار يشككون في نجاعة مشروع الصحافة (الجادة) من الناحية التجاريّة، فيما تسعى السيّدة غراهام لتحويل ملكيّة «البوست» من شركة عائليّة إلى مساهمة عامة، على أساس ادعائها بأن «جودة العمل الصحافي والأرباح صنوان لا يفترقان». لكن تجار المال لم يشتركوا معها في تلك الرؤية، بل كانوا غير مقتنعين بوجود سيّدة على رأس شركة كبرى من ناحية المبدأ.
السيّدة غراهام التي قدّمتها ميريل ستريب بتصفيفة شَعر ضخمة كانت بمثابة سيدة مجتمع واشنطن المخملي وأرملة لأحد نجومه. مع ذلك، فإنّ انتماءها الطبقي لم يسمح لها في مناخات البطريركية الذكوريّة الأميركيّة بالحصول على دعم الرّجال المهمين (أمثال هنري كيسنجر وروبرت ماكانمارا) من دون مناورات وألعاب دهاء مستمرة في كواليس العاصمة التي كانت معتادة حينها على مناقشة القضايا الهامة بين الرّجال بعد مائدة عامرة، بينما تتنحى النساء جانباً لتبادل النميمة والترتيب للأنشطة الاجتماعيّة اللاحقة.


أُهمل الشريط مسرِّب الوثائق الذي عوقب بالسجن 115 عاماً!

أكبر نصير للسيدة كاي (كما يطلق على غراهام تحبباً) كان شخصية محرر الـ«بوست» المتخيّلة بين برادلي (قدّم دوره على نحو مقنع النجم توم هانكس بحسب أغلبية النقاد)، فبدا جاداً عابساً مقطب الجبين، لكنه شديد الإيمان بصنعة الصّحافة. يخرج عن طوره لحظة تتصاعد أحداث الفيلم، متحمساً كمن يندمج في مباراة حامية، لكننا نفهم كذلك أنّه كان يكن حباً أفلاطونياً لمالكة الجريدة يفسّر على مستوى ما وقوفه معها.
ذروة الفيلم أحداثاً وتشويقاً وموسيقى، تأتي لحظة اتخاذ غراهام قرارها الحساس بنشر الوثائق بعد تردد. وبالغت موسيقى جون ويليام المميزة وتقريب الكاميرا على ملامح وجه ستريب في تصعيد الموقف كأنه لحظة حاسمة، وهو ما أفاد الدّراما دون شك، لكنه نقلها إلى حيّز الخيال. فمن المعروف أن غراهام كانت بحاجة إلى أي سبق صحافي في المنافسة الحادّة مع «نيويورك تايمز» – التي كانت السّباقة فعلياً في نشر الوثائق - كي تحصل على دعم المستثمرين، لا سيّما أنّ الـ«بوست» وقتها لم تكن على وفاق مع إدارة نيكسون، ولم تتمكن حتى من بعث مراسل لها لحضور زفاف ابنة الرئيس. وهي بكل حال لم تكن لتضيع تلك الفرصة، إذ أن البديل كان تحديداً استمرار «نيويورك تايمز» في احتكار القصة.
لا يقتصر الخيال في «ذا بوست» على تفسير الدّوافع وراء قرار النشر فحسب، إذ أُقحمت على القصّة لحظات هيتشكوكيّة، لا سيّما لدى سرقة العميل الفيدرالي للوثائق السريّة من الخزنة، وتهريبها من الأمن، ومن ثم شحنها في صناديق كرتونيّة مع مراسلين مجهولين أجلسوها إلى جانبهم في رحلة الطائرة إلى واشنطن دي سي. كما أضيف مشهد مفتعل لابنة محرّر الـ«بوست» الصغيرة الجميلة وهي تبيع عصير اللّيمون للصحافيين الذين يعملون على الوثائق في مكتب والدها، تماماً على نسق الفتاة الصغيرة ذات الرداء الأحمر، رمز البراءة في عالم شيطاني قاتم في فيلم سبيلبيرغ الشهيرعن الهولوكوست (قائمة شندلر)، بينما أُهملت تماماً - لأسباب معروفة - قصة البطل الذي سرّب الوثائق وعاقبته محكمة فيدراليّة لاحقاً بالسجن 115 عاماً!
لكن تلك الإضافات الشكليّة، والتصويبات على الرئيس لم تُخفِ محاولة الفيلم إعادة الاعتبار لـ «البوست» كرمز (مزعوم) للموضوعيّة وحريّة الصحافة، والرّقابة على أداء السلطات الثلاث لمصلحة الرأي العام. فإذا كان لصحيفة أميركيّة فعلاً أن تلعب مثل هذا الدّور، فإنها لن تكون بالتأكيد الـ «واشنطن بوست» سواء أيّام غراهام، أو حتى في يومنا الحالي. هذه الجريدة معروفة بقربها الشديد من المؤسسة الرّسمية الأميركيّة بأجنحتها المختلفة. منذ الخمسينيات، كان آلان دالاس يتفاخر علناً (انظر مذكراته «تراث الرّماد») بقدرة وكالة الاستخبارات المركزيّة الأميركيّة التي كان يديرها، على صياغة الرأي العام من خلال تقنيات البروباغندا: تجاهل أخبار أو تكرار أخرى مع إعادة وضعها في إطار يناسب السرديّة الأميركيّة بشكل أساسي من خلال الصحف والمجلّات الكبرى كالـ «تايمز» والـ «بوست» في عصر ما قبل التلفزيون أو الإنترنت. وهناك مقالة كلاسيكيّة معروفة على موقع ZeroHedge عن علاقة الـ «بوست» بالوكالة التي لا يختلف عاقل على أنها كانت دوماً جزءاً لا يتجزأ من المجهود الحربي للإمبراطوريّة الأميركيّة في عصورها المتعاقبة بغض النظر عن دفء علاقتها بإدارة ذلك الرئيس من برودتها مع إدارة رئيس آخر.
ما ينبغي أن يعرفه الجمهور كذلك أنّ مالك الـ «بوست» الحالي ليس إلا جيف بيزوز، المالك الرئيسي لشركة «أمازون» والمعروف بعلاقاته الوثيقة بالمنظومة الأمنيّة الأميركيّة. بيزوز التزم متطوعاً بقطع خدمة استضافة موقع «ويكيليكس» على الإنترنت، ويشترك من دون قيود مع المخابرات المركزيّة بالمعلومات عن زبائن موقعه. وقد منحته الوكالة أخيراً عقداً بقيمة 600 مليون دولار لاعتماد خوادم «أمازون كلاود» لتخزين معلوماتها، رغم أن عرض بيزوز لم يكن الأقل كلفة مقارنة بعروض من منافسين، لكن تلك كانت مشيئة الله!
فيلم «ذا بوست» الذي حقق مبيعات جيّدة في شباك التذاكر خلال أسبوعه الأول في الصّالات العالميّة متجاوزاً حاجز 35 مليون دولار (أطلق تجاريّاً في 12 يناير الحالي) أثار جدالات لا تنتهي في لبنان. فسبيلبيرغ أحد أهم داعمي الصهيونيّة والكيان العبري في العالم. تبرّع في عزّ العدوان على لبنان في 2006 بمليون دولار علناً دعماً للمجهود الحربي الإسرائيلي. كما يرعى الأرشيف الرسمي الصهيوني للأفلام اليهوديّة الذي يحمل اسمه شخصيّاً في الجامعة العبريّة في القدس المحتلّة، وهو مؤسسة يديرها «الأرشيف المركزي الصهيوني»، و«المنظمة الصهيونيّة العالميّة»، وأصبحت بمثابة الأرشيف الرسمي المرئي للحركة الصهيونيّة. الرّجل لم يخف يوماً في أحاديثه أو أعماله السياسيّة، انتماءه الحاسم للفكرة الصهيونيّة. دافع عن نفسه في حديث شهير لـ «دير شبيغل» الألمانيّة في وجه منتقديه من اليهود ممن اتهموه بإعطاء «إرهابي» فلسطيني في فيلمه «ميونيخ» (يروي قصة عمليّة ميونيخ 1973 والحملة الانتقاميّة الإسرائيليّة التي تلتها) بضع دقائق ليقول كلمتين كأنه إنسان عادي: «منذ اللحظة الأولى لبدء تكوّن أفكاري السياسيّة وقيمي الأخلاقيّة، كنت مدافعاً صلباً عن إسرائيل. أنا كيهودي أدرك تماماً كم أن بقاء إسرائيل ضروري للشعب اليهودي» و«إنني في غاية القلق من تصاعد العداء للساميّة وتوسع مناهضة الصهيونية في العالم. أنا - إن دعا الدّاعي - مستعد دوماً للموت من أجل الولايات المتحدة وإسرائيل».
ما يراه بعضهم مجرد دراما مشوقة لمخرج مبدع، ودفاعاً نبيلاً عن حريّة الصحافة في مواجهة تغول السّلطة التنفيذية في الغرب، ما هو إلا غلالة شفافة لتجميل محاولة هوليوود المفضوحة في إنقاذ سمعة أحد نوافذ البروباغندا الأميركية الأهم. لكن ذلك لم يعد يقنع أحداً حتى من المواطنين الأميركيين العاديين قبل المثقفين. لقد سقطت الأقنعة، ولم تعد أعشاب العطّار الصهيوني - سبيلبيرغ - كافيةً لاستعادة ثقة فقدناها بالكَذَبَة المحترفين.