تمر على الإنسان لحظات يصاب خلالها بصدمة تطلق سهامها بسرعة البرق لينهال جليد جارح، صلب كصخر الصوان ليبثّ نوعاً من الغيبوبة التي تنال «النطق» و«الكتابة» و«الدمع»، والحركة، فتشعر بأنه تجلد، يرى دون أن يرى، يراقب دون أن يكون موجوداً، وتتصارع الأحاسيس داخله دون أن تجد منفذاً للخارج.

أواخ ما أقسى تلك اللحظات، وقسوتها تقاس بمعزة الإنسان الذي رحل دون أن يعلم هو أنه راحل. وكم من عزيز فقدت وانهال عليّ الجليد بفقدانه: جورج حبش، ياسر عرفات، وديع حداد، غسان كنفاني، الحاج فايز جابر، أبو أياد، أبو جهاد، كمال عدوان، كمال ناصر، أبو الهول، أبو يوسف، أبو علي أياد، أبو علي مصطفى، غيفارا غزة، باسل الكبيسي، هاني الهندي و...وووو. كلهم ناضلوا واستشهدوا بصوت عال، لكن صديقي الرجل الهمام ناضل بصمت ودون ضجيج، ورحل بصمت دون ضجيج. وهذا الصمت هو الذي حطم الجليد الذي أفقد لساني النطق، وبعثر أحرف قلمي عندما رحل عبد المحسن القطان (1929 ــ 2017 ــ الأخبار 9/12/2017).

أعلم أنك لا تلومني، وأعلم أنك لا تسعى إلى ضجيج ولا تطلب تعريفاً، ولا تريد أن يشاد بك. فقد كنت تعمل وتناضل وتبني لشعبك وأمتك دون أن تتطلب أي شيء بالمقابل. كنت طوال عمرك أنت أنت... ذلك الرجل الذي يرى في عطائه ومساعدته للآخرين سعادة لا توصف، أنت الذي لم تفكر مرتين عندما تواجه حالات تتطلب منك العطاء.
أنت الذي لم يقل لا في حياته لطلب محق، وأنت الذي لم تكن بحاجة إلى طلب حتى تعطي، فقد أعطيت للآخرين ما تحبّه لنفسك، ودون أن يطلب منك أحد أن تبذل العطاء. أبا عمر، اسمح لي بأن أشير باختصار كيف عرفتك، ولماذا أنحني احتراماً وإجلالاً لك أيها الرجل المعطاء. هزتك النكبة، مؤامرة الاستعمار والصهيونية وخططهما لتدمير الشعب الفلسطيني. انخرطت في العمل القومي الذي كان ملجأ وطريقاً لكل من صمم على النضال لاستعادة فلسطين. وفي عام 1963، حدثني عنك وعن شباب لامعين آخرين الدكتور جورج حبش، الذي كان يكنّ لك احتراماً كبيراً وتقديراً عالياً.
كانت تلك الأيام أياماً حاسمة بالنسبة إلى الشباب الفلسطيني والشباب العربي في الجامعة الأميركية، حيث التقى في تلك السنوات (1948 - 1955) صفوة من الشباب الذين كانوا يحاولون الإجابة عن السؤال: «ما العمل؟». كنت أنت واحداً من المندفعين للرد على المؤامرة وبشعور قومي رفيع. وتمحور نقاش الشباب حول وسيلة الكفاح والعمل القومي كان مطروحاً من عدة جهات؛ منها: الحزب السوري القومي الاجتماعي، وحزب البعث، ومن شباب العروة الوثقى الذين تحولوا لاحقاً لتأسيس حركة القوميين العرب. قال لي جورج حبش: «عبد المحسن كان منشدّاً بشكل كبير الى أهمية التنظيم وحسن الإدارة وإتقان العمل»، وكان منصفاً في ذلك، فالكل ينتمي إلى العمل القومي العربي، والكل يريد تحرير فلسطين، لكن رسم الاستراتيجية وإدارة الصراع كانت ميادين مهمة يرتبط بها التراكم الإيجابي على طريق التحرير.
وفي عمان، بعد التخرج بقيت على صلة بالعمل القومي وإن انهمكت في التدريس لإعالة من كان عليك أن تعيل. وبقي الهدف السامي نصب عينيك. ذهبت إلى الكويت لتبني في المجتمع العربي الحديث الاستقلال، ولترسي طرقاً وأخلاق عمل عالية المستوى، وساهمت في تنظيم أمور كثيرة في الكويت الذي كان حديث الاستقلال، فقد كنت تعمل للكويت، لا بل تعمل لرفعة شأن الأمة العربية.
أكسبك هذا الإخلاص والتفاني في العمل المتقن احترام الكويتيين الذين درسوا معك في الجامعة، والذين لم يدرسوا. كنت تعمل بدقة وإخلاص وحسن إدارة وصدق واستقامة لأنك باستمرار كنت تعمل بنفسك، فأنت... أنت المخلص النبيل.
أخي أبو عمر: لن أنسى ما عبرت عنه عيناك بعد عام 1967، واحتلال القدس والضفة الغربية. كانت نظراتك تعبر عن لهفة للإسراع في النضال لتحرير الأرض. كانتا تعبران عن نية صادقة واستعداد لا حدود له للعطاء. يشعّ منهما حنين للتحرير كأنه حنين أب ولهفته على طفله، وانعكس هذا في تلك الأيام بإقدام جريء على حمل راية القيادة. فقد كان حمل الراية صعباً ومكلفاً، ويبدو كمجازفة. وقبلت أن تتحمل مسؤولية أهم مؤسسة للشعب الفلسطيني، وهي «المجلس الوطني» – أي برلمان الشعب الفلسطيني. فمع انهيار الأنظمة، كانت «منظمة التحرير الفلسطينية» في مهب الريح مثلها مثل الأنظمة، فانتصبت متحدياً ومستنداً إلى ما تعرفه عن شعب فلسطين لتحمل راية الحفاظ على مؤسسات الشعب الفلسطيني، وقدت السفينة الى بر الأمان، وسلّمتها لمن أراد أن يشق الطريق لتحرير الأرض والإنسان. وقبل تسليمك الراية لمنظمات الكفاح المسلح التي قادت «م. ت. ف.» بعدها، أنجزت ما لا يمكن لأي متغيرات أن تمحوه، وإن عدّل برنامج عمل «م. ت. ف.»، وهو الميثاق الوطني الفلسطيني الذي لا يزال وسيبقى برنامج الشعب الفلسطيني الى أن تتحرر الأرض من الاستعمار الاستيطاني الصهيوني. فعلت ذلك بصمت وتواضع. كنت تتصرف كأنك تقوم بواجبك تجاه أمتك وشعبك ووطنك... «تجاه يافا وبرتقالها الذي أصبح حزيناً منذ أن غادرت أسرتك بياراتها في يافا».


أشعرت الجميع بخطورة «أوسلو» عندما أعلنت موقفاً رافضاً للمفاوضات

ابتعدت عن العمل السياسي المباشر لتستمر في نضالك الآخر، بصمت أيضاً... ونضالك الآخر كان العطاء... العطاء... العطاء من أجل بناء أجيال واعية، متعلمة، واثقة من نفسها ومصممة على انتزاع حقوقها وحقوق الأجيال التي ستتبعها والأجيال التي ستلي. لكنك لم تبتعد بعلاقاتك الودية المحبة عن كل من يجاهد لتحرير فلسطين، وكان بيتك في الكويت يعبق باستمرار بالقيادات وبكل التيارات الفكرية. كنت حميماً مع ياسر عرفات، رغم الاختلاف في الرأي في أحيان كثيرة. وكنت حميماً مع جورج حبش، رغم ملاحظاتك. كنت دائماً كوالد الطفل الحريص على طفله. ومن أجل طفله كان يعطي، طفلك كان فلسطين، وأحببت فلسطين كما أحببت عمر، وكان لي شرف نيل ثقتك وأنت لم تفصح عن ذلك، لكن تأكدت من هذا في يوم من الأيام، عندما طلبت مني أن أتحدث أنا وابنك عمر حول قضايا خاصة. وبالفعل، حدثت عمر ابنك وأحببته كما أحببت ابني عمر. كنت تسألني دائماً عن أولادي وعن عمر، وكلما التقينا في لندن كنت تبدأ بالسؤال عن عائلتي: «كنت حنوناً وصديقاً وتشرح الصدر بنفسيتك الجميلة ومحبتك للناس واحترامك لهم وتواضعك. وهذا ما نفقده يا أخي ... غيابك جعل حياتنا أكثر تصحراً، فقد كنت كقطر الندى الذي يبلل شفاه من أوشك على الموت ظمأ».
بقي همك الأكبر في الحياة... الوطن وحلم تحريره، ولم يمنع عدم تعاملك المباشر سياسياً مع هدا الحلم، حيث بقيت يقظاً وحارساً أميناً لميثاق العمل الوطني ولأمن الطريق المؤدية إلى الحلم.
وكنت تبدي الرأي في المنعطفات الخطيرة واللحظات التي تعد حاسمة في تاريخ العمل السياسي، فأعلنت موقفاً واضحاً ضد احتلال الكويت، وقدمت استقالتك من المجلس الوطني الفلسطيني احتجاجاً على ذلك. لكنك أشعرت الجميع بخطورة «أوسلو» عندما أعلنت موقفاً رافضاً لمفاوضات أوسلو، وهذا كان صماماً مهماً من صمامات الحفاظ على الحقوق الفلسطينية. فإعلان رأيك الرافض لأوسلو، أشعر الجميع بخطورة مفاوضات أوسلو وما ستؤدي إليه، إذ إن عبد المحسن القطان، الذي يحترمه الشعب الفلسطيني ويقدره لم يكن من الذين يدلون علناً بآرائهم في كل صغيرة وكبيرة. كان يعمل دائماً لرص الصف الوطني الفلسطيني بصمت لتخفيف حدة الخلافات داخله. وإعلان موقف ضمن هذه السياسة له دلالاته الكبيرة، ومن أهمها التحذير من خطورة أوسلو على الشعب الفلسطيني وحقوقه. لم أر القلق في عينَي عبد المحسن قطان كما رأيته عندما توجه المفاوضون الى أوسلو. رأيت قلقاً في عام 1968، عندما تغيرت بنية منظمة التحرير الفلسطينية، واختلطت الأمور بين صناع القرار السياسي وصناع القرار العسكري. فقد كان الأمر مخلوطاً وليس مضبوطاً، رأيت في ذلك الوقت كم حاول عبد المحسن قطان أن يحمي مصلحة الشعب الفلسطيني بإبداء الرأي والنصيحة لجميع الفئات. رأيته يحثهم على وحدة القرار السياسي الذي سينبع منه القرار العسكري، ورأيت القلق الذي تحول الى محاولات جادة لإقناع القيادات التي قررت الانخراط في أوسلو بعدم الانخراط ورفض تلك المفاوضات.
كان عبد المحسن القطان يتعامل مع كل المسائل المتصلة بالقضية الفلسطينية تعاطي الأب الحنون الحريص على وحدة الصف وسلامة الموقف والإخلاص للوطن ولحقوق الشعب الفلسطيني. وتحول قلق القطان الى مزيد من العطاء لأمته ولشعبه عبر تغذية المؤسسات البناءة في ميادين التعليم والثقافة وصنع الخير وإسعاف المواقع التي تحتاج إلى إسعاف.
يغيب عبد المحسن القطان وتغيب معه تلك الابتسامة الدافئة، وتلك الألفة العائلية التي كان يشعرك بها حتى عندما ينتقد. يخاطبنا بأسمائنا دون تكلّف، ويصدقك القول كأنه يعرفك منذ الطفولة، ولا يخشى أحداً أو سلطةً إلا الله تعالى.
اكتسب جرأة في حياته النضالية المديدة، وأكسبته الجرأة قدرة على الوضوح والصراحة والنصح ورؤية طريق المستقبل بوضوح. في هذه الدنيا، يتعامل الإنسان مع أخيه الإنسان انطلاقاً من مبادئه وأخلاقه وعلمه ومعرفته، وعبد المحسن القطان كان يعطي من نفسه للآخرين ما يشتهيه لنفسه من الآخرين. صراطه مستقيم ونيته صافية ورغبته في مساعدة الآخرين لا حدود لها. ولا أدري كم هم الذين لا يزالون على قيد الحياة من حرص عبد المحسن القطان على دعمهم وفتح الفرص أمامهم نحو النجاح والتألق. إنهم كثر.
كان يقدر تقديراً عالياً الكفاءة والدقة وحسن الإدارة والتدبير، ويدعم كل من امتلك ذلك.
أبا عمر: لا أخشى مطلقاً عليك، فما جاهدت من أجله وما بذلته مثقال كبير في ميزان الرحمة الإلهية. إنني أخشى على الذين لا يزالون هنا ولم يحسنوا استيعاب ما كنت تنصح به، وأقصد هنا بالتحديد في الشأن القومي والوطني. نحن هنا نشعر بالبرد من صقيع خلّفه رحيلك. فقد كنت تشعّ دفئاً حتى وأنت بعيد عنا. كنا نرى فيك حكمة وحنكة ومعيناً لا ينضب من حب الوطن وبرتقاله، يا صاحب البرتقال، يا ابن يافا، لن تغادرنا، بل ستبقى معنا شاخصاً أمامنا بوجهك السمح، وابتسامتك الدافئة الواثقة، ونظرة الحب لشعبك كأنهم أفراد عائلتك، ولك مني يا عمر كل الحب... يا ابن يافا التي سنعود إليها حتماً لنمسح عن برتقالها دموعاً ذرفتها على أبيك... لأنّ أباك كان فلسطين.
* كاتب وسياسي فلسطيني