لن يخرج أوسكار أفضل فيلم (يُعلَن عنه سهرة 4 آذار/ مارس المقبل) عن عنوانين: «ثلاث لوحات إعلانيّة خارج إيبنغ، ميزوري» لمارتن ماكدونا، و«شكل المياه» The Shape of Water لغييرمو ديل تورو. جديد المعلّم المكسيكي (1964) يتصدّر ترشيحات 13 فئة دفعة واحدة، مدجّجاً بتتويجات من العيار الثقيل. بدأها بالأسد الذهب في «فينيسيا» (البندقية)، مع ما يحمله ذلك من فأل خير، على اعتبار أنّ مختلف جوائز الموسترا صارت أشبه بنبوءة أوسكاريّة للمكسيكيّين في هوليوود خلال السنوات الأخيرة.


«جاذبيّة» (2013) لألفونسو كواران (7 أوسكارات)، و«بيردمان» (2014) لإيناريتو (4 أوسكارات) مثالان على ذلك. اجتماع الـ «أميغوز الثلاثة» في إحصائية واحدة ليس غريباً. يمكن اعتباره من العادات الحسنة. هم روّاد الذهب في السينما المكسيكية الجديدة. عبروا بها إلى اليابسة الحلم، ممهّدين الطريق لأمثال غايل غارسيا برنال، وكارلوس ريغاداس وباتريشيا ريغن وغيرهم.

«شكل المياه» يتناول قصّة حبّ بين عاملة تنظيف بكماء (سالي هوكينز) في منشأة أبحاث حكوميّة سريّة، وكائن برمائي غريب خاضع للحبس والفحص والاختبار. نحن في بالتيمور عام 1962. الحرب الباردة في أوجها. الضابط «ستريكلاند» (مايكل شانون) مستعدّ لفعل أيّ شيء للإفادة من «الوحش»، ومنع السوفيات من الوصول إليه. «إليزا» تتعرّف إلى حبيبها تدريجاً. تجد عنده المعنى الحقيقي للتواصل، من دون اكتراث لعدم قدرتها على النطق. مع ذلك، هي مقرّبة من زميلتها في العمل «زيلدا» (أوكتافيا سبنسر)، وجارها الرسّام المثليّ «غايلز» (ريتشارد جينكينز)، الذي تستمتع معه بفقرات الميوزكال على التلفزيون. لاحقاً، تعرف بنيّة التخلص من عشيقها ذي القدرات الفريدة، فتقرّر إنقاذه مهما كان الثمن. هكذا، يشكّل الشريط مناخاته بهدوء. يقترح مستويات عدّة من التلقي والإحالات، استناداً إلى بنية مركّبة على ما يبدو طرحاً كلاسيكياً بسيطاً.
بدايةً، هذه قصّة حبّ في إطار فانتازي. تنويع على تيمة «الجميلة والوحش»، لتصبح «العاديّة والوحش». «إليزا» لا تمتلك شيئاً مميّزاً سوى رقتها وجمال روحها. هي واحدة من آلاف الفتيات العاملات. اختيار مقصود، ينتصر لأولئك الذين يستيقظون باكراً، ويستقلّون الحافلة إلى العمل، مراقبين الدنيا عبر الزجاج. هو يجسّد الوحش اللطيف. «E. T.» آخر يطمئنّ لبشريّة نحيلة، بدلاً من طفل. يحبّ الغوص في الماء، عوضاً عن الطيران على درّاجة نحو الفضاء. الوحوش أبطال دائمون في سينما ديل تورو. هو مؤمن بهم طوال حياته. شكرهم وذكر فضلهم في خطاب الغولدن غلوب. ينشرون الرعب في «محاكاة» (1997). يحاربون قوى الظلام في «هيل بوي» (2004) و«هيل بوي: الجيش الذهبي» (2008)، أو بعضهم في Pacific Rim (2013). يحرسون عالماً خيالياً وسط الحرب والقمع والتنكيل في «متاهة بان» (2006)، تحفة ديل تورو الأثيرة ما قبل «شكل المياه». بيد أنّ الرجل حالم رومنطيقيّ، رغم استمتاعه بالرعب والعنف والدم. لا يصعب عليه خلق عشق حقيقيّ في قلب شبح، كما فعل في «القمّة القرمزيّة» (2015). باختصار، لا أحد يجمع بين الحبّ والحرب والرعب والفانتازيا والألوان والدفق الروحي كما يفعل غييرمو.
لكنّ حكاية الغرام هذه ليست أكثر من قمّة جبل الجليد. أيضاً، هو شريط عن التواصل والاختلاف، بدءاً من البشر مع بعضهم، ثمّ مع كائنات أخرى. اختلاف يظهر بالقدرة على التعبير، أو بالميول الجنسيّة والفتيش، أو بلون البشرة، أو حتى بصراع الأيديولوجيات بين الدول. هذا يقود إلى قياس قدرة الإنسان على قبول ذاته أولاً، والآخر تالياً. يفضي إلى تعاطف حنون مع البشر، وقسوة عليهم في آن. ينتهي إلى نصرة جميلي الروح والمشاعر، مع التأكيد على قدرة الحب العذبة على تذويب الحواجز والتباينات.
ثمّة المزيد. تلقائياً، تتسع المروحة نحو معانٍ وجوديّة وفلسفيّة، مع الاستخدام الحاذق للماء ودلالاته في الخلق والتكوين، الحياة والموت، الإنعاش والتعذيب. نصبح حيال نوع من المكاشفة الرقيقة على مستوى الجنس البشري. تخيّم أسئلة كبيرة من قبيل: ماذا نفعل على هذا الكوكب المليء بالمساحات المائية؟ الجميل أنّ كل ذلك يتبادر إلى الذهن نتيجة الحس وتنشيط اللا وعي، من دون تلقين أو مباشرة. السينما الرفيعة تقول نفسها بلا فبركة أو اصطناع.
ما يميّز «شكل المياه» أنّه عابر للجانر. كلاسيكيّ رومانسيّ، ودراما حرب وإثارة، وفانتازيا، وميوزكال في آن.


هو أيضاً شريط عن التواصل والاختلاف، بدءاً من البشر مع بعضهم، ثمّ مع كائنات أخرى
القدرة على توليف كل ذلك بانسجام، فيها شيء من العبقرية. عادةً ما يستوحي غييرمو من سينيفيليته المتمكّنة، والثقافة الفكتوريّة، وتشكيليّين وأدباء مفضّلين، وغير ذلك. هنا، يلعب الكل في الكل. يضع خلاصة ربع قرن من صنع الأفلام في مشروع عمره. كأنّ كلّ ما سبق وجد من أجل هذا. ينجز نصّاً معجوناً بعصارة الروح، وكثير من الصبر والتأمّل، بالاشتراك مع فينيسا تايلور الآتية من «صراع العروش» (زاخر بالفانتازيا والوحوش بدوره). ها هو يستعد لتحويل السيناريو إلى رواية تصدر نهاية هذا الشهر، بالتعاون مع دانيال كراوس، في إجراء عكس المعتاد... يقترح «فايري تايل» مفعماً بالنوستالجيا وروعة الكلاسيكيّات، بميزانية شحيحة لا تتجاوز 20 مليون دولار. يبني عملاً كريماً حسيّاً وروحياً وفكرياً، مضادّاً لنبرة الـ «سينكال» المنتشرة بكثرة في أفلام اليوم. التحيات السينيفيلية كثيرة. الكائن مستوحى من «مخلوق من البحيرة السوداء» (1954) لجاك أرنولد. الرقصة تكريم لـ «اتبع الأسطول» (1936) لمارك ساندريتش. «ميزانسين» بعض المشاهد أربعيني أو خمسيني التكنيك. شغل سينماتوغرافي كبير لدان لاوستسين، في ثالث تعاون مع ديل تورو.
سالي هوكينز جوهرة نفيسة. الإبهار يمشي على قدمين. من سوء حظّها في الأوسكار، ترشّح فرانسيس مكدورماند عن «ثلاث لوحات إعلانيّة خارج إيبنغ، ميزوري»، في أداء يصعب التغلّب عليه. مايكل شانون لا يخيّب الظن كالعادة. في المحصلة، «شكل المياه» يستحق وصف «تحفة». تذكير جميل بأسباب حبّ السينما، وصرف العمر في متابعتها.

Shape of water: صالات «أمبير» (1269)، «غراند سينما» (01/209109)، «فوكس» (01285582)