يواصل عبد القادر الجنابي جهوده في تقديم «قصيدة النثر» بحسب مفهومها وشكلها الأوروبيين، وفي إعادة التعريف بها، وتمييزها عن الشعر المنثور والشعر الحر، والأهم عن قصيدة النثر العربية المتداولة منذ عقود والمكتوبة على سطور قصيرة متتالية. هذا التمييز ليس اختراعاً أو اكتشافاً جديداً طبعاً، لكنه تحول لدى الشاعر العراقي المقيم في باريس إلى طموح وشغف شخصي في البحث والتدقيق فيها، والكشف عن ملابسات المصطلح ونشأته وسياقاته التاريخية والشعرية.


كتابه الجديد «ديوانٌ إلى الأبد (قصيدة النثر/ أنطولوجيا عالمية)» الصادر عن «دار التنوير» هو إنجاز آخر ضمن هذه الجهود التي تتم فيها مقاربة عوالم قصيدة النثر من زوايا متعددة. يتضمن الكتاب مقدمة وثلاثة ملاحق قصيرة، وما يقارب 420 «قصيدة نثر نموذجية» لـ 117 شاعراً. وحين يضع مفردة «نموذجية» لوصف قصيدة النثر، فهو يفعل ذلك لكي يميزها عن قصيدة النثر كما شاعت بالعربية وبلغات أخرى أيضاً. الكتاب (الأنطولوجيا) كله قائم على هذا التمييز الذي تنشغل به مقدمة الكتاب، التي يبدأها الجنابي بسؤال: ما هي قصيدة النثر؟ محاولاً تعريف أو إعادة تعريف هذا المصطلح الذي بدأ بالشيوع منذ القرن الثامن عشر، قبل أن يقدمه بودلير «كجنس أدبي قائم بذاته»، مانحاً الريادة الحقيقية لهذه القصيدة إلى اليزيوس برتران في كتابه «غاسبار الليل».


ماكس جاكوب «أول من أعطى تعريفاً لقصيدة النثر»
ينطلق الجنابي من رؤية بودلير لقصيدة النثر على أنها لم تكن موجودة سابقاً في ماضي النثر الفرنسي، بل من كونها «معجزة نثرٍ شعري» وأن ما كتبه بودلير «في مشروعه نحو لغة شعرية تتقاطب وما يتجدد مدينياً في شوارع الحياة الحديثة، جعل كل القطع النثرية التي كُتبت قبله تنام كأشباح في ليل النثر الفرنسي». ويستكمل ذلك بمواصفات تشكلت في نتاج شعراء آخرين كتبوا هذا القصيدة وكتبوا عنها أيضاً، وهو ما يتابعه الجنابي لدى مالارميه ورامبو ولوتريامون وبيار ريفيردي وماكس جاكوب، والأخير هو «أول من أعطى تعريفاً لقصيدة النثر محدداً استقلاليتها كجنس أدبي له قوانين واضحة وصارمة، مُنقياً إياها من كل شوائب الرمزية والانطباعية والمناجاة الذاتية».
يجمع الجنابي تعريف قصيدة النثر وتوصيفاتها ومعايير كتابتها من مصادر وممارسات شعرية ونقدية وتنظيرية متعددة، ولكن أبرز هذه الصفات تكمن في «اللاغرضية أو المجانية» وفي «الكثافة الخالية من الاستطرادات والسرد المفصّل وتقديم البراهين والمواعظ» وفي «غياب التقطيع أو التشطير»، ويُختصر ذلك غالباً بكون قصيدة النثر عبارة عن «كتلة نثرية» مكتوبة على سطور كاملة تشبه السرد القصصي، ولكنها تتجنب الاستطراد والوعظ والشخصنة والسببية...، إلى جانب خلّوها من مُواضعات ووظائف النثر العادي. وفي النهاية، تصبح «الكتلة» النثرية، و«المجّانية» صفتين متقدمتين على باقي الصفات في تمييز «قصيدة النثر» في نسختها الأوروبية عن «قصيدة النثر» السائدة في الشعر العربي، وهو ما يسمح بالقول إنّ ما كتبه ويكتبه معظم شعراء قصيدة النثر العربية ليس قصيدة نثر، بل أنواع أخرى من الشعر المنثور والنثر الشعري.
لا يضع الجنابي هذه الخلاصة كاستنتاج وحيد لبحثه في قصيدة النثر الأوروبية. كتابه يقدم بحثاً حقيقياً ومهماً لظهور هذا النوع من الكتابة وتطوره في أوروبا، ولكن مجرد إشهار أو إضمار هذا الاستنتاج ينبّه القارئ المهتم إلى أن ثمة إشكالية في مقاربة الجنابي لمصطلح قصيدة النثر الأوروبية كممارسة «أصلية» متفوقة ومختلفة عما يُكتب من شعر عربي تحت مسمى «قصيدة النثر». سيقدّر القارئ كل ما بذله الجنابي في إعادة السجال حول المصطلح، وفي ترجمته لقصائد كثيرة، واستعانته بترجمات لآخرين من لغات لا يتقنها، ولكن اعتبار كل ما هو خارج تعريفها ليس قصائد نثر يحوّل التعريف إلى قيدٍ يحدّ من حرية الشعراء في استخراج الشعر من النثر، أو من استثمار علاقات النثر واللغة اليومية وتطورها المديني المعاصر. كما أن التعريف نفسه لا يحيط تماماً بما يمكن أن يُكتب داخله، والجنابي نفسه يطرح ذلك ضمن مقدمته حين يسأل: «كيف يمكننا التعرّف إلى قصيدة نثر؟ كيف يحق لنا أن نطلق التسمية على هذه القصيدة وليس على تلك؟»، ثم يقرّ بصعوبة ذلك، مانحاً الحسم في ذلك إلى إدراكٍ شخصي يصعب توضيحه.
استحالة التعريف أو تضييقه ليناسب شكلاً معيناً يتعلق خصوصاً بمفهوم «الكتلة النثرية»، يسهّل على الجنابي استبعاد قصائد كثيرة غير كتلوية من «جنة» قصيدة النثر، بينما الواقع يقول إن قصيدة النثر في نموذجها الأوروبي أحدثت تأثيراً حاسماً في ظهور نماذج منها في لغات أخرى، وأنها جرّأت شعراء تلك اللغات (ومنها اللغة العربية) على كتابة الشعر بالنثر وفق «نماذج» وأشكال متحررة ليس فقط من الإيقاع، بل من متحررة أيضاً من «الكتلة» النثرية أيضاً. ما حدث أن قصيدة النثر البودليرية تطورت وتغيرت وتعددت، والقول اليوم بأن «قصيدة النثر» هي شيء آخر غير ما يُكتب اليوم تحت هذا المسمى، هو محاولة (وإن كانت غير متعمدة) لازدراء الحاضر والمستقبل. نعم قصيدة النثر الأوروبية مختلفة عن قصيدة النثر العربية التي جاءت، بحسب الجنابي، كتطور طبيعي وصحّي لمحاولات شعراء التفعيلة في تليين الوزن حتى يعبّر عن ميلودية معينة تخص الشاعر. ولكن «غلْق» النموذج الأوروبي على النماذج الأخرى يجعل هذا النموذج مجرد حلقة تاريخية محددة ضمن حلقات تطور قصيدة النثر في العالم، وهي قصيدة تجاوزت توصيفات مثل «الكتلة» و«اللاغرضية» و«الكثافة»...، لمصلحة حرية أوسع في استدراج النثر وعلاقاته الحيادية إلى أرض الشعر. خلاصة مثل هذه تدفعنا إلى تثمين البحث الجاد الذي بذله الشاعر عبد القادر الجنابي في كتابه، ولكنها تدفعنا أيضاً إلى التساؤل عن مصير قصائد النثر غير المكتوبة على شكل كتلة نثرية، وغير المنضوية تحت شروط المجانية واللاغرضية وغيرهما من الصفات؟ أليس الأجدى أن نعترف بالشكل الأوروبي الكتلوي لقصيدة النثر، وأن نعترف في الوقت نفسه أن هذا النموذج ليس الشكل الوحيد، بل هو أحد أشكال قصيدة النثر التي تطورت لاحقاً، وتنوعت أشكالها وأساليب كتابتها في شعريات العالم كله؟