ربما كانت المشكلة الأكبر التي تكبّل الرواية العربيّة أنها تعيش في متاهة دمى ماتريوشكا من الحلقات المفرغة. بمعنى آخر، عملت الرواية العربيّة، منذ بدايتها، على كسر الحلقة المفرغة التي تؤطّرها، في الشكل أو المضمون، لتدخل في حلقة مفرغةٍ أخرى لا تلبث أن تصبح قيداً آخر. شهدنا هذه العملية المستمرة من كسر القيود وخلق أخرى منذ عقود، بخاصة في العقدين الأخيرين التي شهدت فورةً روائية ونقدية ارتبطت بما أسماه كثيرون «أدب المسكوت عنه».


عملياً، تصح هذه التسمية التعميمية والفضفاضة على جميع الروايات، إذ عاش المبدع العربي، ولا يزال، ضمن سلسلة لانهائيّة من القيود والتابوهات، بحيث أصبح كل بوحٍ محاولةً للنطق بالمسكوت عنه بالضرورة. لكنّ تلك التسمية باتت مرتبطةً بفعل عوامل كثيرة بالأدب الخليجي، بل السعودي على نحو خاص.
في الفورة التي انطلقت مع بداية هذه الألفية، بدت الروايات السعودية كأنها خُلقت من عدم. وبات حلم أي ناقد أن يكتب عن هذه الروايات كي «يواكب» الموضة الدارجة، وحينئذ بالذات تكرّست المعضلة التي ترتبط بالنقد أكثر من ارتباطها بالإبداع: تفصيل النقد على قياس الإنتاج. أصبح أيّ نتاج هزيل «معجزةً» بحسب مقاييس النقد التي كُرّست أخيراً، لمجرد أنّ الكاتب (والكاتبة بشكل خاص) قام بفعلٍ بسيط هو البوح. بالطبع، لا يعني هذا أن نبخس حق أيٍّ كان بالكتابة، لكنّ المشكلة هي اعتبار أنّ أيّ كتابة قد تنطق بما يدغدغ مشاعر مكبوتة، أدباً بالضرورة. أصبح السؤال الأساسي الذي ينبغي على العاملين في المشهد الأدبيّ الإجابة عنه بصرامة: ماذا بعد المسكوت عنه؟


كتابة تنطق بما
يدغدغ مشاعر مكبوتة

ينطبق الكلام السابق بنسبة كبيرة على رواية زينب حفني «عقل سيّء السمعة» (نوفل). الكاتبة سعوديّة، والكتاب يتحدث عن السعودية ببطلات سعوديات: هذا كل ما يتحدث عنه الكتاب الذي يحتاج إلى الكثير كي يستحق توصيف «رواية» كما ينبئنا الغلاف. لا أهمية هنا لجنسيّة الكاتبة أو جنسية بطلاتها أو حتى الاحتفاء المبالَغ به من يوسف القعيد في الاقتباس على الغلاف الخلفي. ما يهمّنا كقرّاء هو الرواية لا الحكاية. «عقل سيء السمعة» حكاية جميلة، لكنها ليست رواية. هذه المشكلة بالذات التصقت بكثير من النتاج العربي الذي أُلحق بالرواية غصباً، مع أنّه لا يعدو أن يكون حكاية. هذا التمييز بالذات ينبغي أن يكون العامل الحاسم لتمييز الرواية عمّا هو غير رواية. وهذا الأمر تحديداً ينطبق على كثير من النتاج السعودي (والخليجي على نحو أقل)، وعلى معظم الأدب السوري في السنوات القليلة الماضية. لا تكفي الحكاية الجميلة، أو حشد الحوارات السياسية، أو الجرأة لتجعل الكتاب روايةً.
تروي الحكاية هنا قصتين متوازيتين لأم (جميلة) وابنتها (وجدان)، حين تورثها الأم مرضاً نفسياً اكتئابياً. ما نجده هنا هو توصيف لحياة المرأتين في مجتمع قاس لا يكتفي بعدم «غفران» ذنب الأنثى كونها أنثى فحسب، بل تزداد الوطأة مع وجود المرض النفسيّ كـ «عار» آخر. عناصر الحبكة موجودة بكثافة، عدا التفاصيل الفرعيّة الأخرى في تناول علاقة الذكر المتحرر بالأنثى المتحررة، ودخول وسائل التواصل الاجتماعيّ إلى حياتنا، ومعنى المرض النفسي ودلالاته في المجتمع، وبالطبع حضور الجنس (الغيري والمثلي) كثيمة لا بد من وجودها بداعٍ أو غير داعٍ في الأدب الجديد. لكن أين الرواية؟ هل يكفي الوصف الخارجي لفهم الشخصيات؟ هل يكفي حضور الكاتبة ووطأة تدخّلاتها الثقيلة لتجعل الشخصيات حيّة ومن لحم ودم، لا أن تكون شخصيات من ورق؟ هل تكفي وجود القصة لتتحوّل الحكاية روايةً؟ هل تكفي المتعة كشرطٍ وحيد لتعريف الأدب؟
هذه الأسئلة وأخرى كثيرة غيرها حاضرة بقوة أثناء قراءة «عقل سيّء السمعة» كمثال عن هذا الأدب الجديد. وما زاد تعقيد المشكلة هنا، هو حضور المرض النفسي كعامل جذبٍ آخر للقارئ. لكن بدا الأمر هنا كأننا نقرأ أعراض المرض من مرجع في الطب النفسي، وكلّ ما تغيّر هو نبرة السرد فقط، وتخفيف ثقل المصطلحات العلميّة. أمامنا شخصيات تشبه الرسومات التوضيحية في المراجع بحيث تكون عاملاً مساعداً للحدث الأساسي، بينما يُفترض بالشخصية أن تكون شارحةً لذاتها وبذاتها، وأن تكون هي الغاية في العمل الأدبي، لا أن تكون حاملاً لأفكار الكاتب أو وجهة نظره التي يفرضها بدكتاتورية على الجميع. ما معنى وجود شخصيات عدة إن كانت النبرة والأسلوب وطريقة التفكير موحّدة عند الجميع؟ أين تلك الاختلافات الموجودة في الحياة «الواقعيّة» بين الشخصيات، بل حتى بين الشخصيّة ونفسها؟
ما يجده القارئ في «عقل سيء السمعة» هو الحكاية الجميلة، والفكرة الملتقَطة ببراعة فقط. ما نراه هو حشدٌ من الشخصيات التي لا تعدو أن تكون أصداءً لصوت الكاتبة الرتيب. ما نراه هنا هو مشروع رواية يحتاج إلى الكثير من الجهد والعمل ليصبح رواية. ما نراه هنا هو «المسكوت عنه» من دون أن نرى شيئاً آخر.