تشتغل الكاتبة والفنانة شذا شرف الدين (1964) على عالم الفوتوغراف والتشكيل الرحبين. تركت لبنان الى سويسرا عام 1983، حيث درست تربية مختصة علاجية، ثم الى لبنان في رحلات مكوكية، لتنتقل منه الى المانيا. هناك، بقيت لغاية 2007 حيث درست الرقص في هامبورغ، وأشرفت على تنظيم المعارض التشكيلية في برلين.


بعد «فلاش باك» (دار الساقي ـ الأخبار 31/8/2012)، صدر لشرف الدين أخيراً عن الدار نفسها، مجموعة قصص قصيرة بعنوان «حقيبة بالكاد تُرى». العمل عبارة عن نصوص نُشر معظمها في الملحق الثقافي (نوافذ) لجريدة «المستقبل»، وفي مجلة «كلمن» وجريدة «الحياة».
في «حقيبة بالكاد تُرى»، توقظ شرف الدين الذكريات بحنّو. ترفع معها الخيال الهاجع للأيام البرلينية التي أحبّت وتُشكّل جزءاً من حياتها، مُحقّقة عملية إدراج الواقع في الحلم، أو الخيال، والنتيجة سرد جمالي تمتّع بكيميائه الخاصة. دمغت الكاتبة قصصها بكل المجريات الفعلية والعبثية والتأملية، ما أضاء حياة القصص وحياة شاغليها، وجعل من تتابعها ذي الخيط الواحد الجامع، تركيباً ثقافياً عالياً استدعى القارئ للدخول في الذاكرة الشخصية والمتخيلة للكاتبة، واستيهاماتها المُضمرة التي ألفّت تجانساً بين الواقع والخيال. وإذا كان التعريف المُدرج على غلاف كتابها أتى تحت كلمات «قصص قصيرة»، فإن ما يتظّهر من السرد ذي التسلسل والنفس والمناخ الواحد، هو هيكل لرواية ما. ذلك أننا نتقرّى رواية أو ملمحاً منها في خلفية حياة تنمو عبر المرويات، وتبدو حميمة وغير ذات شائبة في ترابطها الجامع.
في الكتاب، نرى المهمة الأساسية للكاتبة، هي الاستغراق في وصف التفاصيل التي تدور حولها، أي رؤية ما لا يكاد يُلحظ، لتتشكل الفكرة لاحقاً على هوى القارئ وهوى انجذابه الى هذا النوع من الكتابة. كما أن مواضع في السرد تنحو لتكون قصائد نثر طويلة مثلاً. عن إعلاء التفصيل على ما عداه في كتابها، توافقنا شذا شرف الدين الفكرة. هي ترى أنّها تراقب العالم حولها، تُسّجل الهامشي من الأشياء، وهو الأسلوب الذي تُحبّهُ وتعتمده في الكتابة: «مراقبة التفاصيل أو العالم حولي هو أسلوبي الذي يشّدني الى الكتابة. ما أنتبه له، هو الذي أكتبه، وغالباً أكتب من التفاصيل ما أجد فيه مادة صالحة للكتابة، كتابة قصة، أو لقطة أستطيع البناء عليها. ليست التفاصيل بالمجمل ما يُشغلني، فثمة ما يُمكن تجاهله منها، أو لا يُجديني البناء عليها. الأمر يرتبط بعلاقتي أنا بهذا التفصيل، وحسب كتابتي عنه. عموماً، أنا أرى أن كل قصة يمكن أن تتطوّر لتصبح رواية، إلا أنّني بصراحة لا أملك النفس الطويل الذي تتطلبه الرواية».
في مروياتها عن أيام برلينية وعن مجتمع غريب عنّا، نلاحظ أنها تكتب نفسها كرّد فعل على الأحداث، لا كفاعلة فيها، فنسألها: هل كنت مواطنة درجة ثانية في برلين؟ تجيب: «طوال حياتي هناك، لم أشعر يوماً أنني مواطنة درجة ثانية. ما تبّدى لك كرّد فعل وليس كفعل، هو مسافتي الخاصة التي أصنعها بيني وبين الغرباء، وهذا جزء من طبيعتي. حتى في بيروت، مدينتي، عندي هذا الشعور الدائم بالمسافة عن الأشياء وعندي هذه الغربة عنها. في برلين، ثمة الغربة الموضوعية والفعلية التي عززّت بُعدي عن التدّخل في مجريات حياة الناس. المسافة هي من أصل الغربة، ذلك أنك تعيشين بلغة غير لغتك. صحيح أن لغتي الألمانية كانت حينها أحسن من العربية، لكن حين باشرت الكتابة وجدتني أكتب بالعربية، فهي أتت تلقائياً الى سردي ونصوصي. لذلك، وفي برلين، استعدت علاقتي بلغتي الأم وكثّفت قراءاتي بالعربية من أجل الكتابة بها، وانتهيت الى الكتابة بها».
لو قُدّر لهذه اليوميات البرلينية أن تكون يوميات بيروتية، كيف كنت لتعالجينها وبأي كيفية كتابية؟ تجيب: «لو كتبت يوميات بيروتية، لأتت مليئة بالنقد أكثر منها بالمراقبة كما فعلت في سردي عن برلين. ستكون يوميات فيها نقد لأغلب ما يجري عندنا، لأنني جزء مما اكتب عنه، أو أن ما يجري هو الجزء الذي يعيش فيّ بطريقة لا انفصال فيها. الكتابة عن يوميات بيروتية ستكون قاسية، لأنني ابنة هذا المجتمع وتجمعني به أشياء حميمة. من هنا سيأتي النقد مختلفاً عمّا تناولتهُ عن برلين، وأعني مراقبتها عن بُعد من دون تفاعل كثير مع ما يجري فيها».