لم تثر أيٌّ من أفلام «مارفيل» الـ 18 السابقة حماسة كبيرة في أوساط الأقليّات الأميركيّة ذات الأصول السوداء. وهذا الأمر مفهوم تماماً، فهذه الأفلام المتمحورة حول أبطال خارقين مستوحين من مجلات «الكوميكس» التي تصدرها «مارفيل»، كانت دائماً عن أبطال (ذكور غالباً) من ذوي البشرة البيضاء ينتمون إلى نخبة المجتمع، ويعيشون حياة باذخة بينما يملأون أوقات فراغهم في محاربة «الأشرار» بشخصيات منتحلة: «سوبرمان»، «باتمان»... إلى نهاية القائمة.


لكن «مارفيل» مشروع رأسمالي محض. هي تقرأ الأرقام وتحولات أذواق الجمهور، وتعرف أن قاعدة جمهورها التقليدي (الأبيض)، لم تعد قادرة على إضافة أرباح أخرى من شباك التذاكر الذّهبي. بل إنّ آخر أعمالها ــ عن «سوبرمان» و«باتمان» ــ شهدت تراجعاً نسبيّاً في الإقبال مقارنة بأفلامها السابقة. لذا كان القرار التجاري المحض بالخروج من دائرة الجمهور التقليدي وتقديم أبطال من أنواع مختلفة: ديرديفيل (بطل من أصول فقيرة)، امرأة (المرأة الخارقة) والآن أفريقي أسود في «بلاك بانثر». وللحقيقة، فتلك المسلسلات والأفلام ــ رغم طبيعتها الجدليّة في المضمون الفكري - نجحت في إعادة شيء من ألق مفقود إلى صالات السينما. للمرة الأولى منذ عقد تقريباً، حُجزت العروض بالكامل، وكانت تجمعات المراهقين السود أمام دور السينما الأميركيّة استثنائيّة بكل معنى الكلمة.
الجمهور الأميركي الأفريقي الأسود، الذي ما زال ـ رغم كل التقدّم الشكلي ـ يخضع لهيمنة النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة ويعاني بشدة من التمييز العنصري والثقافي والاقتصادي، ويتعرض بشكل فاضح لعنف المؤسسة الأمنيّة الأميركيّة، افتقد على مر العصور إلى مصدر إلهام في مواجهة كل هذا القمع. لكنّه جمهور، لا سيّما الشباب منه ـــ فقد الصلّة بجذوره الأفريقيّة ـ إذا استثنينا المهاجرين الجدد ــ وولد في ثقافة جديدة وتقمص لغة مغتصبيه. هكذا، لم يعد أفريقيّاً إلا في اللون. ولولا عنصريّة الأميركي الأبيض، لذاب في خلطة أميركيّة لا علاقة لها أبداً بأرض الآباء والأجداد المخطوفين ليعملوا عبيداً في مزارع الغرب. ولذا تلقف هذا الجمهور «بلاك بانثر» بحماسة نادرة: البطل الرئيسي أسود البشرة (شادويك بوسمان)، واسمه إيحاء بعلاقة مع الناشطين السود في الستينيات والسبعينيات، وطاقم التمثيل بأغلبيته الساحقة ذو أصول أفريقية، والقصة تتحدث عن أمّة يوتوبيّة أفريقيّة متقدّمة تكنولوجيّاً يمكنها التأثير على مستقبل العالم، والملابس والمشاهد يفترض أنها مستوحاة من تراث أفريقي.


نقلة نوعية لـ «مارفيل» في الوصول إلى أقليّة أهملت طويلاً في هوليوود
بل إن مخرج وكاتب السيناريو (رايان كوغلر) ورفيقه (جو روبرت كول) أميركيان أسودان. في أحد الحوارات التفسيريّة الطويلة في الفيلم، إشارات جريئة غير معهودة في أفلام «مارفيل» إلى اتهامات لأميركا بتنفيذ اغتيالات ضد القادة السود، والترويج للمخدرات ونشر الأمراض في المجتمعات السوداء والتزام سياسات تجاهل رسمي متعمدة تجاهها. كل ذلك كان للشبان الأميركيين الأفارقة بمثابة اعتراف أميركي متأخر بالأقليّة السوداء، ولو كان ذلك الاعتراف محصوراً في أرض الفانتازيا والأبطال الوهميين.
في الحقيقة، أنفقت «مارفيل» ثروة ضخمة على إنتاج هذا الفيلم وبذل طاقم تصميم المشاهد والأزياء والموسيقى، جهوداً غير عادية في تخيل ثقافة أفريقيّة مستقبليّة لا فضائيّة. كما أن المخرج كوغلر فنان أميركي من الدرجة الأولى، لا سيّما في الأعمال ذات المضمون السياسي ـ التاريخي كـ «كريد» (2015)، و«فروتفيل ستيشن» (2013)، وفيهما أبدع في إعطاء حلقات من التاريخ المنقضي حياة جديدة. لكن رغم نجاحه التجاري الظاهر، وشعبيته بين الأميركيين السود، إلا أنّ الفيلم عجز فكريّاً عن الخروج من النظرة «الاستشراقيّة» الأميركيّة تجاه أفريقيا والأفارقة. قدّم لنا أمّة «واكاندا»، المتقدمة تكنولوجيّاً على عالمنا المعاصر، بوصفها مجتمعاً قبليّاً، محكوماً بالخزعبلات الدينيّة، ويتقرر مصير الزعامة فيها ضمن حكم ملكي مطلق الصلاحيّات نتيجة صراع الأمراء، وتسعى للانعزال عن العالم من خلال تحكم قاس بالحدود، وتتورط قبائلها المتنازعة على النفوذ في حروب أهلية دموية وتتوظّف فيها التكنولوجيّات المتقدّمة لضمان استمرار هيمنة النخبة. تماماً كما لو كانت العربيّة السعوديّة وإن استُبدل بترولها لأغراض الدراما بمادة معدنيّة نادرة سقطت على «واكاندا» من الفضاء. أمّا ذروة الصراع، فتتمحور حول السؤال: هل ينبغي لواكاندا أن تمد يدها للعالم على الأقل لتخليص ذوي البشرة السوداء من بؤسهم أم أن عليها أن تنعزل خلف أسوار عالية على النسق الترامبي؟
هذه الصورة الكسولة عن أفريقيا مستقبليّة وإن كتبها أميركي أسود، فهي رؤية أميركيّة لا تختلف عن سيناريو كان ليكتبه أميركي أبيض عن الموضوع نفسه. والاستعارات الثقافية الشكلية في الرموز واللغة والألحان والأزياء، تعاملت مع افريقيا كخلطة ما بعد حداثة لا معنى لها، لأن كل ناحية في إفريقيا بالطبع لها ثقافتها المستقلّة والمميزة التي لن تُرى بهذه السطحية سوى بعيون أميركيّة. ربما الاستثناء الإيجابي الوحيد هو في تقديم شخصية المرأة الأفريقيّة في هذا المجتمع الفانتازي بوصفها إنسانة قويّة، مستقلة وقادرة على لعب دورها، وإن كان ذلك في إطار النخبة الحاكمة حصراً كنموذج هيلاري كلينتون أو تيريزا ماي.
«بلاك بانثر» فيلم أبطال خارقين جيّد دون شك، ونقلة نوعية لـ «مارفيل» في الوصول إلى أقليّة أهملت طويلاً في هوليوود، لكن مضمونه الفكري لا يختلف عن أي فيلم أميركي آخر. فالمستشرق – بالمفهوم العام للنظرة إلى الآخر غير الغربي - يحدث أن يكون أيضاً ذا بشرة سوداء. اسالوا فرانز فانون!

Black Panther: «غراند سينما» (01/209109)، «أمبير» (1269)، «فوكس» (01/285582)