عاش هادئاً عازفاً عن أضواء وضجيج النجومية، لم يثر في حياته أزمة، ولم يكن طرفاً في مشكلة، بل نادراً ما حل ضيفاً على برنامج تلفزيوني، أو حوار صحافي، ولم يضبط يوماً متلبساً بالتوسل أو التسلل إلى مساحة على الشاشة أو خارجها.


وكما عاش بهدوء، رحل محمد متولي (1945 ــ 2018) ليلة السبت الماضي بهدوء، يليق بحضوره خفيف الظل وابتسامته الوادعة، التي ميزت مسيرته الفنية الطويلة، منذ ظهوره الأول في فيلم «خللي بالك من زوزو» عام 1972، حتى آخر ظهور له في مسلسل «سابع جار» قبل أسابيع. ينتمي محمد متولي إلى فصيلة نبيلة من الممثلين، الذين أوتوا الموهبة والمهارة، ولكن حرموا التنعم بالبطولات المطلقة والنجومية التي يحظى بها عادة أصحاب الملامح الوسيمة والقوام الممشوق ولو كانوا بلا موهبة.
هذه الفصيلة تضم عدداً من أبرع الممثلين مثل زكي رستم، عبد الفتاح القصري، وصلاح منصور، القادرين على إثارة البسمة وإشاعة البهجة في أي دور يلعبونه، مهما كانت الشخصية جادة أو شريرة أو طيبة. هم يتسمون بملامح تتجاوز مفاهيم الأدوار الطيبة والشريرة التقليدية.
يصنف محمد متولي كممثل كوميدي، ولكن الكوميديا عنده لا تعتمد على المبالغات المعتادة في حركات الجسد وتعبيرات الوجه والصوت، أو النكات و«الايفيهات» اللفظية، بل على الأداء الطبيعي «الواقعي» المصحوب بلمسات تكاد تكون غير مرئية من «لزمات» تحدد صفات الشخصية التي يلعبها، قد تتمثل في إيماءات العيون الهاربة من المواجهة والجسد المنحني، كما في أدائه الشهير لشخصية حجازي الماكر والمتسلق، مساعد «حافظ» (يوسف شعبان) في مسلسل «الشهد والدموع»... أو تعتمد على الأناقة المفرطة، التي لا تناسب المكان أو طبيعة مهنته، في شخصية المحامي «حسن بطاطا» الذي يجمع الحماقة بالذكاء في مسلسل «أرابيسك».
بدأ محمد متولي في السينما. قدم عدداً من الأدوار الثانوية التي راوحت بين الطيبة والشر، المضحكة في كل الأحوال، كما في أفلام «سلام يا صاحبي» و«سارق الفرح» و«اشارة مرور». لكنه، مثل النجمين يحيى الفخراني وصلاح السعدني، عثر على المكان الطبيعي لموهبته وإمكانياته في التلفزيون، خاصة في أعمال الكاتب أسامة أنور عكاشة، الذي تميز بقدرة استثنائية على رسم شخصياته الثانوية بعمق وحيوية.
قدم متولي مع عكاشة 15 مسلسلاً، بعضها تكوّن من أجزاء عدة، مثل «الشهد والدموع»، «ليالي الحلمية»، «زيزينيا»، وغيرها... ومع عكاشة قدم عدداً من أدواره الأكثر تميزاً والتصاقاً باسمه، مثل «بسيوني» أو «بسة» صبي الباشا سليمان غانم، في «ليالي الحلمية»، أو المدرس الجشع مرتضى البشري في «أبو العلا البشري».
في معظم الأدوار التي لعبها، نجد خيطاً مشتركاً هو قدرتها على إثارة الشعور بالتعاطف مع الشخصية، ولو كانت شريرة. لعلّ هذا الخيط ينبع من شخصية محمد متولي نفسها، التي كانت تتسم بالطيبة والتواضع الشديدين.
هذا الخيط المشترك يعود أيضاً إلى طبيعة موهبته التمثيلية، فهو ينتمي إلى نوع من الممثلين أصحاب الحضور المميز والشخصية غير القابلة للتلون. يفرضون أنفسهم على أي دور يلعبونه، وغالباً ما تتم الاستعانة بهم في أداء أدوار بعينها. لكن محمد متولي استطاع عبر هذه الأدوار المتقاربة أن يرسم تنويعات وألواناً ودرجات ألوان تكشف عن احترافية واجتهاد كبيرين، من خلال التوظيف المقتصد والإيمائي لكل أدوات الممثل.
رحل محمد متولي، ولكن أعماله باقية في ذاكرة الدراما، وذاكرة الملايين من محبيه.