دمشق | ماذا لو أنصت صلحي الوادي (1934- 2007) إلى وصية أبيه بدراسة الزراعة بدلاً من الموسيقى؟ ثم ماذا لو وافق الابن على وراثة مشيخة عشيرة الدليم العراقية برحيل والده؟ رحلة طويلة قطعها هذا الموسيقار بجذوره المتعددة، هو المولود لأب عراقي وأم أردنية، ونشأة دمشقية. شخصية إشكالية تركت وشماً لا يمحى في الحياة الموسيقية السورية.


فهذا الممسوس بالموسيقى منذ صباه الأول، تمكّن بشغفه وصبره وإصراره أن يؤسس أول معهد أكاديمي للموسيقى في دمشق، مراهناً على جيل جديد في تربية الذائقة الموسيقية النظيفة، بعيداً عن المزاج الشعبوي.
هكذا درس الموسيقى أولاً، في المدرسة الملكية في الاسكندرية، ليجمع حوله في دمشق ثلة من محبي الموسيقى الكلاسيكية، مشكّلاً فرقة خاصة، تعزف بيتهوفن وشوبان وباخ، منتصراً على فكرة «المزيكاتي» التي كان يوصم بها أي صاحب آلة موسيقية. وفي لندن التي سافر إليها لدراسة الزراعة بإصرار من والده الذي كان يمتلك مزرعة كبيرة على ضفاف دجلة في بغداد، تمرّد على اختصاصه واتجه إلى دراسة الموسيقى.
هذه المحطّات من حياته، سنتعرّف عليها في كتاب «صلحي الوادي الموسيقار والإنسان» الذي صدر أخيراً بمبادرة من «المركز الوطني للفنون البصرية» في دمشق، مواكباً الذكرى العاشرة لغيابه. هكذا استعاد رفاق دربه سيرته حياتياً وموسيقياً بوصفه شخصية استثنائية، مرهفة وصارمة، ذلك أن صرامته كانت نوعاً من حراسة الموسيقى من العبث والإهمال، فربّى أجيالاً من الموسيقيين الموهوبين أكاديمياً، خصوصاً بعد تأسيسه المعهد العالي للموسيقى، وصولاً إلى إطلاق «الفرقة السيمفونية السورية» التي كانت حلماً قديماً لطالما راوده إلى أن تحقّق.
في الكتاب، سنقع على شهادات مؤثرة بتواقيع غياث الأخرس، وهمسة الوادي، وصادق فرعون، وصميم الشريف، وعماد مصطفى، ورعد خلف، وطاهر ما مللي، وسعد القاسم، وآخرين، بالإضافة إلى أقوال صلحي الوادي في الفن والموسيقى. أنهى صلحي الوادي حياته، في لحظة تشبهه، إذ وقع على خشبة المسرح أثناء قيادته لحفلة موسيقية للفرقة السيمفونية السورية، ثم ترك عصا المايسترو لجيل من تلاميذه.