لم يعد سرّاً أن السلطات اليمينيّة في أكثر من بلد أوروبي، كانت شريكة أساسيّة في الحرب الأميركية على سوريا، وأجهزة الاستخبارات في فرنسا وبريطانيا وبلجيكا تحديداً، شاركت على نحو فعال في تسهيل توجه «المجاهدين» إلى سوريا ودعمهم بالأسلحة والمعدات والمعلومات بل في تدخل القوات الخاصة أحياناً. وهو ما لمسه السّوريون ـ والليبيون قبلهم - في جبهات عدة. هذا الانخراط في المجهود الحربي ضد سوريا وازاه وربما فاقه بثقله هجوم ثقافي أوروبي مركّز شنته المؤسسات الثقافية الرسمية على كل ما هو وطني سوري مقابل فتح الأبواب وإغداق الدعم على كل من يدعي معارضة النظام. هكذا أُطلق في فضاء الثقافة عدد من محدودي الموهبة ومنتحلي الآداب: شعراً ورواية ومسرحاً وسينما وصحافة وتشكيلاً. وهم الذين لم ينجحوا في إنتاج إبداع حقيقي قبل الحرب ــ ليصبحوا بقدرة قادر نجوم أدب وفن، ترعاهم كبرى البيوتات الثقافية الأوروبية، وتُفتح لهم آفاق لم يكونوا واصلين إليها بمواهبهم الشحيحة، فيفوزون بالتنويهات والجوائز ومقالات الثناء الفاقع.

يبدو أن أوروبيين انتبهوا بدورهم إلى مهرجان الثراء السريع هذا، فقرروا أن يجربوا حظّهم متاجرةً بالدم السوري. البلجيكي فيليب فان لوي أحد هؤلاء. المخرج والكاتب والمصور أنتج لنا شريطاً ضعيفاً بكل المقاييس التقنيّة والفنية، لكنه غلّفه باسم سوريا ليصبح على الفور بضاعة يسهل تسويقها والتسلق منها إلى عالم الشهرة.

شريط ميلودراما مفكك يجتر فكرة أفلام سيكولوجيّة قديمة


لننس لوهلة اسم الفيلم. ماذا يتبقى من منتج لوي؟ شريط ميلودراما مفكك، أشبه بمشهد مسرحي ممل، يجتر فكرة أفلام سيكولوجيّة قديمة عن نساء محاصرات يتعرضن لهجوم ذكور موتورين (Wait until Dark من بطولة أودري هيبورن، وPanic Room من بطولة جودي فوستر، وTrespass من بطولة نيكول كيدمان) ويقدمها كطبق بارد بلا طعم ولا لون وبرائحة منفرة. غير الاسم، لا شيء في الشريط يربط الأمور بسوريا الوطن سوى محاولات مفتعلة وشكليّة. محاصرة أسرة برجوازيّة في شقة تقع على خطوط التماس ليست نادرة سوريّة، فهي تكررت وتتكرر في كل أحداث عنف تدحرجت نحو المواقع المدينيّة، ويمكن أن تكون القصة بأحداثها المفككة ذاتها، قد حصلت في برلين أو سراييفو أو بيروت أو جاكرتا أو الجزائر لا فرق.
وللحقيقة، فإن محاولة تحييد الشقة موضوع الفيلم عن الخطاب السياسي المباشر بشأن الأزمة السوريّة، أفقده أي فرصة حقيقية بالتحول إلى فيلم بروباغندا صريح يُعتمد عليه في تشويه سمعة النظام السوري سينمائيّاً. الإشارة اليتيمة إلى السياسة كانت في مخاطبة أحد المُغْتصِبَين اللذين اقتحما المنزل للآخر بلفظ «سيّدي» ـــ بمعنى التراتبيّة العسكرية ــ للإيحاء بأن الشخصيات الشريرة في الفيلم تابعة للنظام مقابل بقيّة المسلّحين «النبلاء» و«اللطفاء» الذين يتأهلون تلقائيّاً ليكونوا «ثواراً» للحريّة بالمفهوم الأميركي.
بغير ذلك، يستعير الفيلم - من دون داع سوري محدد - فكرة ترددت بين أعمال أدبية وأفلام سيكولوجية مشهورة، تجعل امرأة تتولى عادة رعاية أطفال في فضاء مغلق ومنقطع عن العالم الخارجي، تتعرض خلال حصارها لهجوم مجموعة أشرار هم رجال. اختيار مكان الانعزال كشقة أو مطبخ المنزل فيه مضمون جنساني بالطبع، إذ أن هذا النوع من الأفلام يحاول استعراض تحولات المشاعر الإنسانية - النسائية - وتناقضها في ذات المكان الأكثر رمزية في أمانه لحظة تحوله إلى مسرح رعب.
هذه المرّة، ليست البطلة جودي فوستر أو نيكول كيدمان، بل هي السيّدة الخمسينيّة أم يزن (هيام عبّاس) ومعها جارتها الشابة (ديامان بوعبود) وخادمتها (جولييت نافيس) وأبناؤها الثلاثة ووالد زوجها (العجوز) وابن قريب لها (كريم). هم بمجملهم يعانون من ضغوط الحرب والعيش المشترك في ظل ظروف استثنائية مع توترات جنسيّة مصطنعة ذات نفس استشراقيّ بين كل لقطة وأخرى.
ذروة الفيلم الذي يفترض به أن يصوّر أحداث 24 ساعة متتابعة، تأتي لحظة تمكن الأشرار من اقتحام الشقة، لتختفي أم يزن والبقيّة في المطبخ، بينما تبقى حليمة الجارة الشابة بجسدها لتصرف نظر المعتدين عن مكان الساكنين الآخرين الذين يستمعون إلى وقائع الاعتداء عليها لحظيّاً عبر الجدار.
في شريط «في سوريا»، التسطيح سيّد الموقف: فالحبكة مهلهلة حيث تتشابك العلاقات بتعقيد لا داعي له، وتفتقد لأي معنى ذي قيمة للإنسان السوري، والسرديّة بعامة ليست مقنعة لا في انعطافاتها المفتعلة أو حتى في تسلسل أحداثها نحو النهاية. الحوارات بدورها ليست بمستوى الحدث. حتى الصورة التي يُفترض أن تكون أقوى عناصر الفيلم، بدت قاصرة ومترددة وأقرب إلى الكليشيهات. وحتى الضمير الوحيد المستيقظ والشخصيّة الأكثر توازناً في ظل جو الفيلم الخانق، لم يكن سوى الخادمة الأجنبيّة ديلهاني، في وقت يبدو فيه جميع السوريين المحليين قادرين تحت درجة الضغط الكافية لارتكاب المعصيات جميعاً. شخصيّة حليمة تحديداً، حمّلت أكثر بكثير مما يحتمله السّياق وأدخلت في متاهات نفسيّة متوازية وقدّمت عارية من دون داع درامي وفي وقت لاحق لانتهاء مشهد اغتصابها المغمم، بينما وضع النص شخصية أم يزن المحورية في مفارقة أخلاقيّة مقحمة على موضوعة الحرب تصلح لمناقشة في مدرسة ثانوية لا في فيلم يدعي العالمية.
الفيلم على ضعفه الظاهر، يجب أن لا يُنقص من الأداء الجيّد ــ وفق ما سمح به السيناريو ــ للفنانة اللبنانيّة ديامان بوعبّود التي يمكنها بالتأكيد تقديم أدوار عالميّة، وكذلك لهيام عبّاس التي بذلت كل ما يمكنها من خبرة لإنقاذ الفيلم من دون أن تفلح في ذلك.
«في سوريّا» مجرّد مشجب يعلّق عليه لوي أفكاره الليبراليّة الساذجة عن العدالة والحرب ونساء الشرق لا أكثر. فالفيلم الذي سيحكي مأساة الإنسان العادي في سوريا، لم ينجز بعد. وعندما يحدث، فلن يكون نتاج هاوٍ مثل صاحبنا البلجيكي. بل ربما لن يُصنع أبداً، فأي كاميرا تلك التي تقدر على سرد هكذا حكاية ومأساة؟

* «في سوريا»: بدءاً من الخميس 15 آذار (مارس) في الصالات اللبنانية