القاهرة | في الفيلم الكوميدي المصري «طير إنت» (المخرج أحمد الجندي -2009 )، يعجز الرجل الملقب بـ «الكبير» وهو عمدة صعيدي قاس وديكتاتور (أحمد مكي)، عن منع زوجته (دنيا سمير غانم) من التواصل مع العالم الخارجي عن طريق الانترنت ووسائله المتعددة. فلا يكون منه إلا أن يأمر رجاله بقطع الكابل الرئيسي الذي يغذي البلاد كلها بخدمة الإنترنت، ويجلس العمدة أمام التلفزيون، ضاحكاً وهو يسمع خبر انقطاع الإنترنت عن البلاد برمتها.

لم يبذل مجلس النواب المصري جهداً أقل في التحكم بالإنترنت. بعد قيام «جهة مجهولة» بحجب أكثر من 400 من مواقع الإنترنت عن البلاد ــ حجب بدأ «لدواعي الأمن ومكافحة الإرهاب» ثم امتد ليلحق بمواقع حقوقية وصحافية مصرية وعربية وحتى مدونات ومواقع نسوية ـــ أقرت لجنة الاتصالات في البرلمان خلال الأسبوع الماضي مشروع قانون يقنن ذلك الحجب، ويحوّله إلى حالة قانونية دائمة بدلاً من مجرد إجراء لجهة مجهولة. من الناحية النظرية، يبدو «التقنين» عادة أفضل من المجهولية، فهو يحصر المسؤولية في جهات محددة، ويوضح إجراءات الشكوى واستئناف القرارات، ويفصّل الجهات التي تصدر القرارات والأحكام. لكن من الناحية العملية، ليس للمصريين ـ خاصة في السنوات الأخيرة ـــ نصيب طيب مع حالات التقنين. فهي عادة، وكما جرى مثلاً مع «قانون التظاهر»، تضع شروطاً تحيل الإمكانية النظرية إلى استحالة عملية، وتجعل من الجهة التنفيذية المتحكم الحقيقي في القرار. وفي المحصّلة، تطيح بما تبقى من «حقوق شعبية»، ولو انحصرت تلك الحقوق في مجرد مدونة انترنت تحاول ممارسة بعض حرية التعبير.
بالطبع، فإن هذا المنع العملي، وكما هي العادة، يعبّر عنه من خلال ألفاظ قانونية تجمع بين المهابة والمرونة لتحوي ــ وتمنع- كل شيء تقريباً إذا لزم الأمر. ومن ضمن مواد القانون الذي وافقت عليه اللجنة البرلمانية، مادة الأمر بالحجب، التي تنصّ على أنّ «لسلطة التحقيق المختصة متى قامت أدلة على قيام موقع يبث داخل الدولة أو خارجها، بوضع أي عبارات أو أرقام أو صور أو أفلام أو أية مواد دعائية، أو ما في حكمها مما تعد جريمة من الجرائم المنصوص عليها بالقانون، وتشكل تهديداً للأمن القومي أو تعرض أمن البلاد أو اقتصادها القومي للخطر، أن تأمر بحجب الموقع أو المواقع أو الروابط أو المحتوى محل البث، كما أمكن تحقيق ذلك فنياً».

أقرت لجنة الاتصالات في البرلمان مشروع قانون يقنّن الحجب


ولا يترك القانون أمر الحجب بلا مدة زمنية تصف تنفيذه. فهو يوضح أنّه يجوز «في حالة الاستعجال لوجود خطر حال أو ضرر وشيك الوقوع من ارتكاب جريمة، أن تقوم جهات التحري والضبط المختصة، بإبلاغ الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، ليقوم بإخطار مقدم الخدمة على الفور بالحجب المؤقت للموقع أو المواقع أو الروابط أو المحتوى المذكور في الفقرة الأولى من هذه المادة وفقاً لأحكامها، ويُلتزم مقدم الخدمة بتنفيذ مضمون الإخطار فور وروده إليه، وعلى جهة التحري والضبط المُبلغة أن تعرض محضراً تثبت فيه ما تم من إجراءات على سلطة التحقيق المختصة، خلال 48 ساعة من تاريخ الإبلاغ الذي وجهته للجهاز، فإذا لم يعرض المحضر المُشار إليه، في الموعد المحدد، يعد الحجب الذي تم كأن لم يكن».
تعني هذه الكلمات القانونية في الفقرتين، أمرين: الأول، أن كل مادة ممكنة على الانترنت، من العبارات للصور للأرقام «وما في حكمها (!)»، معرضة للحجب، والأمر الثاني، أنّ ذلك الحجب - في حالة الاستعجال- قد يكون فورياً، بلا حكم قضائي بل بمجرد الإبلاغ. صحيح أن القانون يلزم السلطة المختصة بعرض أمر الحجب على المحكمة «وتصدر المحكمة قرارها في الأمر في مدة لا تجاوز 72 ساعة من وقت عرضه عليها، بالقبول أو بالرفض»، إلا أن الألفاظ المرنة التي يشتمل عليها القانون، من قبيل «تعريض اقتصاد البلاد للخطر»، يمكن في واقع الحال أن تنطبق عليّ أي شيء، حتى لو كان مجرد مقال يناقش أو ينتقد حجم الدين الخارجي أو يسرد بعض أرقامه المتزايدة.
في فيلم «طير إنت»، ينجح العمدة في قطع الإنترنت، فتعود زوجته إلى الوسائل «القديمة» وتحرّض الناس عليه من خلال رسائل الهاتف «إس. إم.إس». وحين يحاصره الناس الغاضبون ــ في تناص مع مشهد النهاية في الفيلم الشهير «شيء من الخوف» ــ لكن «طير إنت» فيلم كوميدي، فيصدر العمدة صوتاً معيناً بفمه لينقله العفريت (ماجد الكدواني) إلى مكان آخر. أما خارج الفيلم، فإن حجب الإنترنت يخلو من أي كوميديا، ومن ثم لا عفاريت ولا مهرب.