«ديستوبيا» عرض مسرحي متعدد الوسائط، تقدمه فرقة «منوال» (جاد حكواتي ورؤى بزيع) ابتداء من اليوم، إلى جانب عدد من الفنانين والتقنيين الذين تتعاون معهم. الرؤية الفنية للعرض هي لـ «منوال»، أما الإخراج فيحمل توقيع جاد حكواتي. العمل الذي تؤديه رويدا الغالي، ديما متّى ورؤى بزيع، يستند إلى نصّين: «خطب الديكتاتور الموزونة» لمحمود درويش، وقصائد من ديوان «خراب الدورة الدموية» للشاعر السوري الراحل رياض الصالح الحسين، إضافة الى نصوص مؤلفة من قبل المجموعة. بني العمل (إعداد النص رؤى بزيع) إثر حوار فني بين فرقة «منوال»، وتجهيز جداري ضخم صممته ونفّذته التشكيلية شفى غدّار، وقد عرض في «مركز بيروت للفن» عام ٢٠١٢.

بعد «برزخ»، تستكمل فرقة «منوال» البحث في سبل تطوير استخدام الـ multimedia والنصوص الشعرية في المسرح، وفي قراءة الإنسان لواقعه في ظل ما يتعرض له من أزمات تفرض عليه وتجعله في وضع هش ومهدد ونمطي.
معنى الديستوبيا باللغة اليونانية هو المكان الماكر والخبيث. إنّها عكس المكان الفاضل أي اليوتوبيا، من أبرز ملامحها: الخراب، والقتل والقمع. باختصار هي عالم يتجرد فيه الإنسان من إنسانيته ويتحوّل فيه المجتمع إلى مجموعة من المسوخ المتناحرة.
إلا أن ديستوبيا «منوال» لها معالمها الخاصة، فهي ليست مكاناً محدداً، إنما عوالم متعددة ومختلفة. هي أيضاً زمن قائم منذ الأزل وممتد إلى اللاحدود. تدعّم هذه الفكرة الخشبة الخالية إلا من المؤديات الثلاث ومن شاشة في خلفية المسرح يعرض عليها فيديو أحياناً وتشكّل معه حدوداً. تصميم الإضاءة جاء أيضاً لخدمة هذا الغرض. للمستطيل المرسوم بأجسام المؤديات/ الذرّات المتباعدة المتقاربة، رمزية للإنسان، تترجم لاحقاً في العرض البصري مع المصفوفات أو «الماتريكس» وتمرير البيانات بين الخلايا.
الرموز المختارة أكانت المصفوفة (الماتريكس) أو رموز الديناميكا المخطوطة جسدياً، لها دلالات تشرذم تحديد المكان والزمان. سهولة تنقّل المؤديات بين مشهد وآخر، أو بين عالم وآخر، من إلقاء الشعر إلى الهذيان كباخوسيات يوريبيدوس، ومن الطقوسية والرقص بانتشاء، إلى العودة إلى النفس... تيسّر للمشاهد الطوفان معهن. وتأتي الموسيقى لتعزز ذلك الشعور.

طابع النص الشعري أضفى بعداً زمنياً لمكان معلّق بين الحقيقة والخيال


كل هذا معطوفاً على طابع النص الشعري الذي أضفى على ديستوبيا بعداً زمنياً لمكان معلّق بين الحقيقة والخيال، فأصبحت بمثابة تأمل. تأمل في الإنسان، الموت، الحياة، في مدينة عالقة بانحطاط الإنسان، في عدد الجثث اليومي والعبثية التي يعجز البشر عن استيعابها، في تاريخ البشرية الفاسد، في الفوضى العارمة والهدّامة التي نغرق فيها نحن الشرق أوسطيون: «أما من قيادة لتوقف هذا العبث، وتوقف إنتاج مستقبل غامض من الجثث؟».
جدارية «طيف» لشفى غدّار أنجزت ودمِّرت. فكرتها الأساسية هي الزوال وهي زائلة. إنّها جدارية تعبّر عن ذاكرة وتاريخ شخصي وخاص خاضع لإشارات عنف واضحة، يُبحث في داخله عن علامات تبث فيه الحياة وتحد من تشوّهه. خلف هذه الجدارية، تنسحب المؤديات من الذاكرة العامة - من أمام الجدارية - ويلتجئن إلى الذاكرة الخاصة. خلف الجدارية، ستطفو ذكريات عن أحداث، وأمكنة وأشخاص مفعمة بالحياة وبالهشاشة، بالحب والاشتياق، مما له وطء مختلف على النفس، مقارنة بالسياق العام في العرض. تسائل المؤديات الذاكرة ومصداقيتها، وتلامس إحداهن الجدار الفاصل من الجهتين كأنها تريد أن تكشف ماهيته وترسم حدوداً بين الحقيقة والخيال في الذاكرة. تتراكم الأصوات، تتداخل الكلمات وتتفاوت، فيصبح لها صدى كأننا في عالم خيالي أم أن المؤديات أصبحن في عداد الموتى، أم أنه يخيّل لهن ذلك؟ «فأما الذين قضوا في سبيل الدفاع عن الذكريات وعن وهمهم... فلهم أجرهم أو خطيئتهم عند ربهم حرام حلال، حلال حرام». سؤال يبقى: هل من قضوا هم الذين يدافعون عن الذكريات أم أننا ندافع عن ذكرياتنا مع من قضوا؟ وما الجدوى من ذلك؟
بالرغم من وطأة عبثية الديستوبيا التي نحن في خضمها، تلت المؤديات الشعر بسلاسة وتطاوعت أجسادهن مع أنفاسهن، فقبلنا التأمل. إلا أن حالة التأمل هذه كانت قصيرة بعض الشيء كأن كلمات ما قيلت لكنها لم تُسمع.
الاحتفالية فينا ومعنا «عم نحتفل فيكن معكن» بما اقترفت أيدينا، ومن بعدها الاحتفاء بالذاكرة وبطقوسية الشمس، مما يبعث دفئاً وأملاً في النفس كأنها دعوة للحياة. نتذكّر هنا جملة جلال الدين الرومي: «كل نفس ذائقة الموت وليست كل نفس ذائقة الحياة».

* «ديستوبيا»: بدءاً 20:30 من اليوم حتى ٣١ آذار (مارس): كل خميس وجمعة وسبت ـــ «استديو زقاق» (الكرنتينا) ــ للاستعلام: 70/324912