في السنوات الأخيرة، وتحديداً في لبنان، برزت أدوات جديدة اتكأت عليها الميديا التقليدية، كمحاولة لتكريس شعبية معينة، تخص عرض برامجها. ساحة هذه الأدوات: وسائل التواصل الاجتماعي، وتحديداً تويتر. حوّلت الشاشات وجهتها الى ساحة المغرّدين/ ات، وأوهمت الجمهور بأن هؤلاء يمثلون الرأي العام، ويمنحونها صك نجاح تتباهى به بين البرامج المنافسة. في الآونة الأخيرة، شاهدنا لجوء البرامج الحوارية السياسية إلى وسائل التواصل الاجتماعي، والتركيز على خاصية التفاعلية مع الجمهور، عبر إطلاق هاشتاغ، تزامناً مع بدء البرنامج، حتى وصل الأمر ببعضها إلى دعوة المشاهدين إلى إنجاز تسجيلات صوتية عبر «واتساب»، لإسماعها مباشرة إلى الضيف، وبالتالي إلى الجمهور الأوسع على الشاشة. وسط هذه المشهدية، نستطيع رصد كيفية تحوّل هذا الهاشتاغ ضمن المواضيع الأكثر تداولاً على تويتر. لوهلة يخال المرء فعلاً أن هناك آلافاً من اللبنانيين/ات، يتسمّرون أمام البرنامج المقصود، ويتفاعلون معه بهذا القدر، حتى مع ضيوف لا يلقون عادة هذه «الحفاوة» الافتراضية.

هل فعلاً يمثل تويتر الرأي العام؟ وهل يمكننا توديع عصر شركات الإحصاء، التي تُعنى بقياس عدد المشاهدات على الإعلام التقليدي؟ ماذا عن استخدامات هذه المنصة، لا سيّما لدى أهل السياسة، وعن ارتباطها بالانتخابات، وبالبرامج التي تبثّ عبر الشاشات التقليدية؟ هل فعلاً تعكس آراء الرأي العام؟ أم أنها مجرّد بروباغندا مفتعلة تبغي أخذ الجمهور إلى مساحة أخرى، لا تشبه أرض الواقع؟
قد تطول الأسئلة بدون أجوبة شافية. نحاول في هذه المساحة، إيراد بعض الدراسات الحديثة الغربية (لندرة الأبحاث المشابهة عربياً)، بغية مقاربة علاقة تويتر بالرأي العام، وتبيان ما حقيقة تحوّله إلى «باروميتر» جماهيري، واستخدامه كرافعة ترويجية للبرامج الحوارية السياسية تحديداً.

النموذج الروسي الأبلغ في «الاستراتيجيات الرقمية»
العام الماضي، أجرت جامعة «أوكسفورد» البريطانية دراسة تحت عنوان «كيف تسهم الحكومات عبر مواقع التواصل الاجتماعي في تضليل الرأي العام؟» شملت مسح 9 بلدان (الصين، روسيا، بولونيا، البرازيل، كندا، ألمانيا، أوكرانيا، تايوان، الولايات المتحدة الأميركية). استصرح 12 باحثاً من هذه الجامعة 65 خبيراً في هذا المجال، انكبوا على تحليل ملايين المنشورات على المنصات الاجتماعية (فايسبوك، تويتر..)، وخرجوا بخلاصة مفادها أنها تحوي كمّاً هائلاً من «الكذب» و«التضليل».
ميّزت الدراسة بين نوعين من البلدان: الديكتاتورية، التي تستخدم هذه المواقع «لممارسة ضغوط على الجمهور، خاصة خلال الأزمات الأمنية والسياسية»، والبلدان الديمقراطية، حيث وسائل التواصل «تفعّل لغايات البروباغندا الرقمية، مع تلاعب بالرأي العام». أوردت الدراسة مثالاً كيف سعت روسيا في الفترة الأخيرة إلى «حماية رئاسة بوتين»، ضدّ خصومه في الداخل والخارج. تحدثت عن «استراتيجية رقمية»، اعتمدتها بغية «دفع الأخطار التي قد تقع من الداخل»، عبر استخدام «جيوش إلكترونية»، هدفها نشر رسائل دعائية موالية للنظام الروسي. هنا، يورد أحد الباحثين ويُدعى فيليب هوارد، أن روسيا خصّصت مبنى في «بطرسبرغ»، يحوي عدداً من الموظفين، الذين يتلقون «ملايين الدولارات» بهدف «التلاعب بالرأي العام». وفي الولايات المتحدة، ركزت الدراسة على استخدام المنصات الاجتماعية، من قبل رجال السياسة، وطرق «إيهام الرأي العام، بأن هناك «حشوداً شعبية» داعمة لهم، وتضخيم «التفاعل لغايات الجذب والتأييد»، بهدف الاستحصال على «دعم سياسي واقعي وحقيقي».
وضمن نطاق الولايات المتحدة أيضاً، نشر مركز Pew للأبحاث عام 2013، دراسة بعد إعادة انتخاب الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، حاولت الإجابة عن الإشكالية التالية: «هل تويتر مؤشر للرأي العام؟». ركزت الدراسة على الشرخ الحاصل بين العالم الافتراضي والواقعي. إذ تبين أن هناك أوقاتاً، عبّر فيها الجمهور عن عدم رضاه عن أوباما بينما كانت الأجواء معاكسة تماماً على تويتر. مثلاً، تذكر الدراسة، أنه بعد الخطاب المتلفز الأول لأوباما ووصف الميديا له وقتها بأن الخطاب يشكل «هزيمة» له، رأينا تويتر يشهد تأييداً له بنسبة عالية. الخلاصة أن تويتر ليس مؤشراً حقيقياً إلى الرأي العام، وأن الجمهور الفاعل على تويتر، لا يستخدم الموقع المذكور سوى كـ Microblogging (تدوين ذات محتوى قصير وموجز).

الميديا التقليدية تفرض «الأجندة»
بعد عام تقريباً، طرح الباحث في جامعة «مونبلييه» الفرنسية، جوليان بويادجيان، ضمن أطروحة الدكتوراه المعنونة «تحليل الآراء على الإنترنت: أهداف نظرية، وتحديات منهجية»، مجموعة إشكاليات حول تويتر وقياس الرأي العام ومرجعية الأخير في تحديد نجاح برنامج سياسي معين على الشبكات الاجتماعية. درس الباحث الفرنسي، كمية الرسائل المبثوثة خلال عرض البرنامج السياسي، وإمكانية إعطائها «مؤشراً» إلى الاهتمام الذي يوليه المستخدمون للضيف السياسي، والتعاطي معهم كأنهم يمثلون العامة. خلص الباحث إلى أن أكثرية المستخدمين هم من فئة الشباب، ولا يعني ذلك، أنهم يمثلون أبناء جيلهم على الشبكة. كذلك، نفى بويادجيان، أن يكون تويتر «بارومتراً» للرأي العام، طارحاً نظرية «الأجندة» لدى وسائل الإعلام التقليدية. إذ أكدّ «أن الإعلام يتحكّم بما يجب أن نفكر»، ويحوّل المستخدمين إلى مجموعة مناقشين لمواضيع تبثّها الميديا وتضعها ضمن سلّم أولوياتها، خاصة في الفترات الانتخابية. ميّز هنا بين 4 مستخدمين لتويتر: الأول هو «الناشط التقليدي» الذي ينشر ما تمليه أجندة أحد السياسيين عليه، أو المنظمة التي ينتمي إليها. النوع الثاني هو «الناشط الداعم» الذي ينشر معلومات رسمية أقل عن الرجل السياسي، لكنه لا ينفكّ يعبّر عن ذوقه إيجاباً أو سلباً في رجال السياسة، ويميل أكثر إلى الآراء العاطفية. أما النوع الثالث، فهو «المستهلك» الذي يدأب على نشر تغريدات ومقالات صحافية، لها علاقة بالسياسي، ويدعو متابعيه إلى مشاركتها على نطاق أوسع (Share). ويبقى النوع الرابع، المتعلق بحسابات المراهقين على تويتر، الذين لا تحتلّ لديهم السياسة حيّزاً مهماً.
أكّد الباحث الفرنسي أن العالم الافتراضي يضم «آراء» معلّبة، لا تأتي «وليدة التفاعل»، مع التنويه بأن من لديه نسبة متابعين أكثر، يقومون بإعادة التغريد، لا يمكن وضعه إلى جانب مستخدم آخر «منعزل» وغير متّصل بأي دائرة إعلامية أو سياسية.
بعد عملية تحليل وتتبع (web Tracking) قام بها الباحث، لجمع معطياته حول سلوكيات السياسيين على تويتر، ومراقبة منشوراتهم وتعليقاتهم، وملاحقة المغرّدين، ومعرفة هوياتهم، خلص إلى أن ما يجري هو مجرد «إيهام» بأن تويتر يضم أكبر عدد من المستخدمين، معتبراً أنّه يعدّ «نموذجاً سيئاً للتمثيل»، رغم الصيت الجيّد الذي تحاول الميديا التقليدية، إلباسه إياه، طبعاً لغايات مصلحية.
----