تونس | طيلة فترة حكمه، حاول بن علي تصوير نفسه كراعٍ للعلوم والثقافة والفنون، ليس فقط من أجل الدعاية لنظامه، لكن ربما أيضاً كي ينسي الناس رتبته العسكرية ويعوض عن ضعف تكوينه التعليمي وينهي المقارنات مع سلفه المحامي والمثقف و«الديكتاتور المستنير» الحبيب بورقيبة. مدينة الثقافة التي أعلن عنها منذ سنة 1992 تندرج في هذا السياق. وبما أنّ المشروع ضخم، تطلبت دراسته سنوات قبل أن تطرح الدولة التونسية طلب عروض دولي لبناء المدينة سنة 2003. قدمت شركة صينية العرض الأفضل، لكن لأسباب «مجهولة» رست الصفقة في النهاية على شركة تشيكية. كان يُفترض أن تنطلق الأشغال عام 2006 وتنتهي في 2009، لكنها انطلقت في 2008 وانتهت في 2018. تعطلت الأشغال مراراً لأسباب مختلفة: فساد، عجز الشركة التشيكية عن احترام الآجال، تضاعف أسعار مواد البناء، تخلي الشركة التشيكية عن المشروع وتولي شركة محلية الأمر، عدم الاستقرار الأمني والسياسي بعد الثورة... تعاقبت الحكومات وشركات المقاولات على المدينة، وتطلب الأمر أكثر من عشر سنوات من الأشغال كي يكتمل المشروع الذي كلّف أكثر من 60 مليون دولار. بناء أريد له أن يوفق بين «الأصالة» و«المعاصرة»، و«التقليدي» و«الحديث»، فولد هجيناً. كميات كبيرة من الاسمنت والبلور وخلطة عجيبة من المدارس والأساليب المعمارية خصوصاً في ما يتعلق بمدخل المدينة وبرجها الغريب. لا أحد يعرف سر غرام نظام بن علي بالأبراج الطويلة والكرات العملاقة: برج الساعة (منقالة شارع الحبيب بورقيبة)، كرة مدينة العلوم، برج وكرة مدينة الثقافة...

مدينة الثقافة هي مدينة محظوظة بلا شك، فهي تقريباً الوحيدة في العالم التي يتم تدشينها مرتين في أقل من ستة أشهر. دشنها رئيس الحكومة يوسف الشاهد في 20 تشرين الأول (أكتوبر) 2017 في مناسبة تقدم الأشغال بنسبة 80 في المئة، ودشنها رئيس الجمهورية في 21 آذار (مارس) 2018 في مناسبة انتهاء الأشغال، وقد يدشنها مسؤول آخر مرة أخرى بعد عقد أو اثنين بمناسبة إعادة طلائها (إن سألتم الله، فأسالوه البخت).

يتفاقم التصحر الثقافي في المدن الداخلية والمهمشة


إذن كان التدشين الكبير من نصيب وزير الداخلية الأسبق ورئيس البلاد حالياً الباجي قايد السبسي الذي أتى إلى المدينة مصحوباً برئيسي الحكومة والبرلمان وجمع من الوزراء والنواب. بطبيعة الحال، كان الحرس الرئاسي حاضراً بقوة. المنظر كان مبهجاً حقيقة: سلطة ورجال أعمال وأجهزة أمنية في مدينة الثقافة. بدأ فخامته الزيارة برفع الستار عن لوحة تخلد المناسبة وكتب فيها اسمه بحروف كبيرة ومذهبة. ثم أمسك المقص (المذهب أيضاً) وقطع شريطاً أحمر طويلاً كان يمسكه له وزير الثقافة. تجول سيادته في أرجاء مدينة الثقافة التي تشبه كثيراً المراكز التجارية الفخمة من الداخل. في كل خطوة كان يحيط به مسؤولون دائمو الانحناء والابتسام. بالطبع، تم توجيه الدعوة لأعيان الثقافة وأغلبهم من «أحباء» وزارة الثقافة. كل شيء في تدشين مدينة الثقافة، كان يذكر بالأجواء «النوفمبرية البنفسجية» (نسبة الى بن علي): فخامة المكان، المصاريف الكبيرة، الخواء، المبهرج، خطاب الرئيس، تصفيق الحاضرين، وجوه المسؤولين البيضاء وابتساماتهم الصفراء.... الموسيقى التي عزفتها الفرقة الاوركسترالية التونسية هي ربما العنصر الوحيد الذي أضفى بعض الجمال على الاحتفال. زين العابدين بن علي لم يكن حاضراً لتدشين مدينته، لكن الذين خلفوه لم يقصروا وأعادوا تذكيرنا بـ «الزمن الجميل».
نظرياً، يعتبر كل فضاء عمومي للثقافة مكسباً للبلاد ومثقفيها. مدينة الثقافة الممتدة على مساحة شاسعة هي متعددة الاختصاصات تضم فضاءات مخصصة لمختلف أشكال الإبداع الفني والأدبي: مسارح، استوديوهات، مجمع السينما، مكتبة، قاعات عرض للفنون التشكيلية... كل هذا جميل، لكن المشكل أنّ «الثقافة» تتركز أكثر فأكثر في العاصمة وضواحيها، في حين يتفاقم التصحر الثقافي لباقي المدن (خصوصاً الداخلية والمهمشة). المصاريف الضخمة التي رصدت لبناء وتجهيز وتدشين المدينة الثقافية، كان من الممكن (ربما) أن تحل أزمة مئات الفضاءات الثقافية في كامل أرجاء البلاد.
بما أن المشروع قد اكتمل وأصبح واقعاً، فلندع مسألة «العدالة الثقافية» جانباً، ولنكن عمليين: هل ستكون هذه المدينة فعلاً منتجة للثقافة ومحفزة للإبداع أم مصنعاً آخر للرداءة والتهريج؟ هناك أيضاً مسألة استقلالية هذه المدينة عن وزارة الثقافة والسلطة السياسية: من سيعين المديرين وكبار الموظفين؟ تاريخ المؤسسات الثقافية العمومية وعلاقاتها الزبائنية مع المثقفين، يجعلاننا أيضاً نتوجس من إمكانية إقصاء المدينة الجديدة للمثقفين غير المتماهين مع السلطة وثقافتها الرسمية مقابل تحولها إلى «مورد رزق» جديد لبعض المثقفين المعروفين بانتهازيتهم وتزلفهم للحكام المتعاقبين.
ألف مبروك لمثقفي «الحاضرة» المدينة الجديدة. أما مثقفو «الأقاليم» فلينتظروا غودو أو فليكتبوا لأنفسهم الرسائل التي يشتهون. رحل بن علي وبقيت مدينته الثقافية. سننتظر ونرى: هل ستكون مكسباً للثقافة أم لوزارة الثقافة والسلطة عموماً؟