تونس | انهالت رسائل النعي والتعازي الصباحية، وبات الأمر حقيقة لا مفر منها: رحلت ريم بنا فجراً. كثيرة هي الصداقات التي أزهرت بين رفاق ريم على مختلف جنسياتهم، وامتزجت الدموع بذكريات السنوات الأخيرة. وفي استحضار ذكرى ريم، استحضار لذاكرة الأماكن، وأوّلها ـــ بعد فلسطين ــ تونس. ليس هذا لأسباب وطنية شخصية، من بينها أن في تونس كان لقاؤنا الأول، بل لما كانت تكنّه ريم من حب لبلاد علّقت خريطتها الفضّية بعنقها، إلى جوار خريطة فلسطين، واخترعت لأهلها كلمة «فلستونس»، كناية عن الرابط الوطيد بين أرضين عشقتهما واعتبرتهما وطناً واحداً لها.

لم تكن ريم تؤمن بأولويات القضايا، بل كانت «متضامنة مع قضايا العدل ومع كل المسحوقين في هذا العالم». وهي، ابنة الأرض المحتلة، وضعت بالموازاة النضال من أجل القضية الفلسطينية مع معارضة الأنظمة العربية الديكتاتورية، مؤمنة أن الطريق إلى القدس يمرّ حتماً برفع شعار الحريّة من المحيط إلى الخليج. جمعنا لقاؤنا الأول بها سنة 2009، أي تحت نظام بن علي، وكانت تلك أول عودة لها لتونس منذ التسعينيات، فتحدثنا و«أرجلنا» واغتنمت هي الفرصة لتلتقي بعض الطلبة اليساريين المنتمين إلى صفوف المعارضة من الاتحاد العام التونسي للطلبة، من دون اكتراث للرقابة.

بثت الإذاعات المحلية أغانيها طوال يوم أمس


كانت الدعوات الرسمية لريم بنا في تونس غريبة آنذاك، إذ يطلب منها الحضور لمراسم تكريم، لكن لم تتم دعوتها مرة واحدة للغناء، خوفاً، لا شك، مما قد تقوله على خشبة المسرح، معلنة بذلك مواقفها من النظام الديكتاتوري التي لم تخفها أبداً على مواقع التواصل الاجتماعي أو في تواصلها مع رفاقها خلال زياراتها لتونس. فريم بنّا ساندت انتفاضة الحوض المنجمي التي عرفها الجنوب التونسي في 2008 والتي مهدت للثورة. وكلّما أقامت بيننا، كانت الشرطة تلاحقها بما استطاعت من السرية في تحركاتها الشخصية. فكنّا نطلق على المخبرين لقب «مواسم البنفسج» - عنوان إحدى أغاني ريم- سخرية، إشارة إلى اللون البنفسجي الذي كان لون الحزب الحاكم آنذاك. كما ساندت ريم الاحتجاجات التي أودت بزين العابدين بن علي من الحكم، وكانت أول من دُعي إلى تونس للغناء بعد الثورة، فغنت النشيد الوطني على خشبة المسرح البلدي في العاصمة، ورفعت، جنباً إلى جنب، علمي تونس وفلسطين.

بعد الثورة، لم تخف مساندتها لليسار التونسي عندما غنت في الحفلة التي نظمها حزب العمال في مناسبة الذكرى الأولى للثورة بتاريخ 14 كانون الثاني (يناير) 2012. احتفظت برمزية هذا التاريخ عندما اختارته، سنة 2013، لإصدار ألبومها الأخير «تجليات الوجد والثورة» الذي سجّلته في فضاء «النجمة الزهراء» في سيدي بو سعيد، في الضاحية الشمالية لتونس العاصمة، وكان أول ألبوم تلحّن جميع أغانيه. كان اختيار سيدي بو سعيد التي تحتضن عدداً من مقامات الأولياء الصالحين تجاوباً مع روحانيات الأغاني التي كانت في معظمها قصائد لشعراء صوفيين مثل الحلاج وابن عربي ورابعة العدوية. لكن تونس كانت حاضرة كذلك بلهجتها وشعرها من خلال أغنية «الرجل الحرّ» التي تقول فيها: «الحرّ مهما ادّمر لا يساوم [...] يموت واقف وسلاحه معمّر».
ريم بنّا تضامنت مع التونسيين في مختلف الأحداث التي تلت الثورة، من مخيمات اللاجئين في الجنوب إلى اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وكانت مواقفها دائماً واضحة وبلا مساومة. تضامن وحب لم ينسه التونسيون البارحة، إذ حزنوا لفراقها ووجدوا في برمجة الإذاعات المحلية التي بثت أغانيها طوال النهار صدى لوجعهم. على صعيد رسمي، أعلنت وزارة الثقافة التونسية نيتها تنظيم سهرة لروح «أيقونة فلسطين» في الأيام القادمة. وإن كانت هذه التحية أقل ما يمكن تقديمه لذكراها، فلا يجب أن ننسى أن ريم بنّا لم تكن تحب المواكب الرسميّة وبهرجتها. عسى أن تكون هذه السهرة إذن ترجمة لشخصها وفنّها: سهرة «فلستونسية» تحت شعار المقاومة والحبّ، مفعمة ألواناً… وبلا مساومة.